مقالات الرأي

ما العمل؟

تساءلت في مقالة سابقة عمّا يمكن فعله في حال وصل الحل السياسي إلى الطريق المسدود، وكذا الأمر في ما يخصّ الحل العسكري الذي بات أمرًا خارج الحسابات.

المسألة تبدو شديدة التعقيد بالنظر إلى طبيعة الأزمة السورية، وما عرفته من تعقيدات وتداخلات إقليمية ودولية، ولا سيما أن قوى المعارضة -بكل مؤسساتها، وفصائلها العسكرية، وحراكها المدني، والمؤسسات التي تمثلها، وحتى نظام التبعية والمقايضة- باتت خارج المعادلة التي تتحكم فيها أطراف إقليمية ودولية متشابكة المصالح والمشروعات، وخارج القرار الوطني، أو تسرّب بفعل ذاتي وخارجي من بين الأيدي.

مع ذلك؛ فالثورة السورية ليست حدثًا عابرًا، ولا بدّ من أن تملك وسائل تتجاوز فيها الأوضاع الصعبة، وأن تقوم بفعل التجديد عبر عدد من الصيغ التي يمكن أن تجترحها.

إن القيام بعمليات مراجعة جدّية، وحقيقية لمسار الثورة، ومعرفة الأخطاء وجوانب القصور، والتشوّهات التي ألحقت أبلغ الضرر بالثورة وحاضنتها الشعبية، وبالرأي العام العربي والعالمي، هي البداية لعمليات تغيير شاملة باتجاه امتلاك القدرة على التعاطي مع التطورات، وإثبات الحضور طرفًا فاعلًا، ومقررًا في المعادلة.

المراجعات الجدّية تقول: إنه بالإمكان تلافي ما فات، وبدء مسيرة جديدة مستفيدة من الدروس، والنتائج، وأولها الاقتناع بضرورة التغيير الفعلي للسائد باتجاه ملاقاة الضرورات، والتوجه نحوها بعيدًا عن تغليب المصالح الحزبوية، والأسلمة السياسية، والأنا المتورمة، والمحاصّات، وصراع الكراسي والمواقع، والكف عن التجريح والتشكيك، ومنح الثقة بالنفس، على قاعدة تكريس العقل الجمعي، والعمل المؤسساتي، ووضع الوطن والوطنية السورية راية، وهدفًا، ومرجعية للجميع، وتفصيح الموقف الذي لا لبس فيه من هوية الدولة المنشودة: دولة مدنية ديمقراطية، تعددية، تكرّس المساواة التامة في الحقوق والواجبات بين جميع السوريين، بغض النظر عن الجنس والقومية والاثنية، والدين، والمذهب، والجهة، والعشيرة.. وغير ذلك، وعلى أساس المواطنة التي يرسّمها دستور عصري يقرّه الشعب باستفتاء عام، واعتماد دستور 1950 للمرحلة الانتقالية، وأقله بين قوى المعارضة وفاعليات الثورة.

إن صوغ برنامج عمل واقعي ممكن التحقيق مطلوب بدايةً، ومنطلقًا، يكون مبتغاه استعادة القرار الوطني السوري، وتوفير شروط بناء العامل الذاتي للثورة؛ ليكون الطرف الحاضر الذي لا يمكن لأي جهة داخلية، أو خارجية تجاوزه، أو تكييفه وفق مصالحها ومشروعاتها.

في هذا الصدد؛ فإن التأكيد على استعادة القرار الوطني لا يفهم منه أنه يتحقق بالصراع، أو العداء مع الأشقاء والأصدقاء الذين يناصرون الثورة، ولا بطريقة لا تلبي مصالحهم المشروعة ضمن مفهوم المصالح المتبادلة، أو بعيدًا عنهم، فنحن في عالم متداخل شديد التأثير، ولسنا في جزيرة معزولة، أو ننشد حالة تصورية أقرب إلى الأحلام، ذلك؛ أن لبّ القرار الوطني أن يكون متمحورًا حول مصالح البلد والثورة تمحورًا رئيسًا، وعبر بناء علاقات بينية متوازنة، وعادلة مع الجميع: الأشقاء والأصدقاء قبل غيرهم، بعيدًا عن التبعية، أو ” فلسفة يا وحدنا”..

إن مهماتٍ محوريةً تفرض نفسها أولوياتٍ، يمكن ترتيبها وفق ما يلي:

1 – إعادة النظر في بنية الائتلاف؛ ليكون ممثلًا حقيقيًا للثورة، يضمّ فاعلياتها وقواها الحقيقية، ويكرس العقل الجماعي، والديمقراطية، والمأسسة، ويجسد مرجعية الشعب أساسًا، فلا يكتفي باعترافات خارجية بديلة عن اعتراف الشعب به. وحين يعجز، أو يفشل الائتلاف في التحول إلى ممثل حقيقي؛ فواجب السوريين البحث عن صيغ بديلة تلبي الغاية.

2 – العمل على الاستقلال المالي، بالاستناد الرئيس إلى إمكانات السوريين من أصحاب الرأسمال الوطني الذين يمكن أن يقدموا المطلوب، حين يجدون جهة تمثل الثورة، وتجسد ذلك في عملها. هنا يجب أن تحضر الجاليات السورية في المهاجر بقوة، خاصة في الأميركتين، حيث تتوافر إمكانات مهمة لديها قد تغطي حاجات الثورة، وتوفر عليها الحاجة لمساعدة الآخرين.

3 – جسر الهوة مع أجيال الشباب، ومع منظمات المجتمع المدني، وفاعلياته، ومع القوى السياسية المتوافقة على برنامج التغيير، وبناء البديل، وبناء صيغ عملية للتواصل والتفاعل.

وتحضر -هنا- بقوة أهمية إيلاء “المكونات السورية”، خاصة في الطائفة العلوية، ما تستحق من عمل حثيث، منفتح، وكذلك مع “الكتلة الصامتة” والرمادية”، وصولًا إلى القاعدة المحسوبة على النظام، بعدّ الجميع مسؤولية الثورة، وجزءًا من نسيج المواطنية السورية، والتوجه بخطاب منفتح يعتمد المصالحة، والانفتاح، والمواطنية الواحدة، ويدين الفعل والنزوعات الطائفية من أي جهة كانت، بعيدًا عن منطق الثأر والانتقام، والأحقاد المذهبية، مع الحق في تحويل الملوثة أيديهم بدماء السوريين، من النظام وغيره، إلى محاكم عادية.

4 – الشروع في بناء الجيش الوطني الحر، اعتمادًا على الضباط وصف الضباط والجنود المنشقين، والمقاتلين الملتزمين بأهداف الثورة، يكون مهنيًا، محترفًا يتبع للقيادة السياسية، بعيدًا عن الحزبية، وأي مرجعية سوى المرجعية الوطنية، وتوفير مستلزمات القيام بدوره المأمول، طالما أن الحل السياسي لا يجد طريقه، وفي المرحلة الانتقالية واللاحقة.

5 – الدعوة إلى مؤتمر وطني جامع للقوى والفاعليات الوطنية التي تمثل الثورة، ووضع برنامج عمل واقعي لاستمرار الثورة، وانتزاع حقوقها، وتحقيق أهدافها.

6 – تطوير العلاقات مع الأشقاء؛ لتكون استراتيجية مبنية على المصالح والأهداف المشتركة. تتجاوز الراهن إلى المستقبل، وإقامة أفضل علاقات التعاون مع الدول الصديقة، خاصة في الاتحاد الأوروبي، وأميركا، وسواهما.

إن مرحلة جديدة تفتح أبوابها منذ سقوط حلب، وهي تشير إلى مجموعة من النتائج التي يجب تفهمها، والتعاطي معها بروح واعية، وباتجاه تغيير النهج الذي ساد، والعودة بالثورة إلى صلبها، وأهدافها، وسلميتها، وكونها ثورة الشعب السوري، بأطيافه ومكوناته المختلفة، وليست حكرًا على أيديولوجيا معينة من اليسار أو اليمين أو غيرهما.

لذلك؛ فإن نهوض تيار وطني ديمقراطي، يمثل -اليوم- ضرورة ملحة؛ لإنجاز التحولات المطلوبة، وبناء تحالف وطني عريض، بين القوى المنتمية إلى الثورة، من إسلاميين وقوميين ويساريين وليبراليين، مهمة يجب العمل لإنجازها، وفق التفاهمات العامة حول برنامج المرحلة، وبناء الدولة المدنية الديمقراطية، وفي مواجهة النظام وحلفائه.

مقالات ذات صلة

إغلاق