أدب وفنون

“لاجئ من أربيل إلى أمستردام” في الطريق إلى أدب اللجوء

قلما تقع يدك، هذه الأيام، على روايةٍ جديدةٍ، تسيل سيلانًا، فتمنعك من القيام بعملٍ آخر قبل إنهاء قراءتها، مثلما هو الأمر مع رواية “لاجئ من أربيل إلى أمستردام” التي صدرت بداية هذه السنة عن دار الفارابي في بيروت، في 304 صفحات؛ إذ إن بطلها يأخذ بيدك ليسيِّركَ معه في رحلة اللجوء في أوروبا، ويقص قصته وقصص الشخصيات الأخرى، بكل تفاصيلها، وتفاصيل الأماكن والمواقف التي كنا نسمع عنها من خلال قصص اللاجئين التي ازدادت انتشارًا في السنتين الأخيرتين، مع موجات اللجوء الكبيرة التي شكلها السوريون والعراقيون الهاربون من الحرب في بلدانهم، وانضوى بينهم أناس آخرون من أفغانستان وبلدان إفريقية وآسيوية عديدة، نجد حضورهم -جميعًا- في تلاوين الرواية عبر تكثيفٍ شديدٍ يخرجُ مُحْكَمًا، معطيًا القوة والجزالة للعمل.

مؤلف الرواية، الكاتب والصحافي السوري طالب إبراهيم، عايش رحلة اللجوء ذاتها، أو ما يشبهها، وخَبِرَ تفاصيلها، فبدت الحوادث وكأنها رواية شاهد عيانٍ، لا يودِعنا مأساته بقدر ما يودعنا مآسي الآخرين، لنتعاطف معهم ونتفاعل وفق سوِّيةٍ واحدةٍ، وهو ما ينقذ الرواية من الوقوع في الذاتية التي قد نفكر فيها، بعد قراءتنا التعريف بالكاتب، الوارد على غلافها الأخير، ويخبرنا أن الكاتب هاجر من سورية في رحلة لجوء وصل فيها إلى أمستردام، وأقام هناك. مع العلم أن تفاصيل كثيرة وإجراءات وحوادث، وردت في سياق الرواية، لا يستطيع نقلها إلى الورق سوى من عاش تجربة اللجوء بكل مراحله، وهو ما استفاد منه الكاتب في إنضاج فصول هذه الرحلة وإخراجها خالية من الثغرات الإجرائية.

يمكن تصنيف الرواية ضمن أدب الرحلات، بسبب تجوال شخصيتها الرئيسة، الشاب الكردي صباح خليل، على كثير من الدول والمدن الأوروبية، علاوة على رحلات شخصياتها الأخرى في عدد من الدول والمدن الأوروبية. لكن الغرض من هذه الرحلات -الحصول على صفة اللجوء- ربما يدعونا إلى تصنيفها ضمن أدب جديد، يمكننا تسميته “أدب اللجوء”، بدأ يخرج علينا في قصصٍ قصيرةٍ وقصائدَ ازداد عددها كثيرًا في السنوات الأخيرة، بعد الحرب في سورية والعراق. وتُعد هذه الرواية من بواكير الأعمال الروائية التي تخوض في موضوع اللجوء، الذي يُنتظر أن يصدر منه مزيد، بسبب هجرة كتاب كثر من بين من هاجر. وعلى الرغم من أنها حديثة الصدور، إلا أن الرواية لم تأت على ذكر موجات الهجرة الجديدة لأكثر من مليون سوري إلى أوروبا، ما يدلنا على أنها قد كتبت قبل هذه الموجة.

في سردٍ جاءَ وفقَ طريقة العرض السينمائي، تنطلق سيرة صباح خليل، متخذًا دور الراوي الأول، يحكيها لنا بلسانه، مفسحًا المجال لشخصيات أخرى للظهور في حلبته، وفق ما يخدم عرضَ قصته، دافعًا بهم إلى الأمام في طابورٍ ينتظرُ أشخاصُه أن يَفرَغَ من سبقوهم في حكاية قصتهم، كي يتسنى لهم إسماعنا قصصًا أخرى. وتأتي السيرة في مجملها حول عملية التقدم للحصول على اللجوء، وما يرافق ذلك من إجراءاتٍ ومخاوف، يظل الشخص أسيرها أشهرًا وحتى سنوات، متنقلًا من بلد أوروبي رفض لجوءه، إلى آخر ربما يجد فيه حظًا أوفر في الحصول على اللجوء، ومن ثم؛ الإقامة.

ولكلٍّ قصته التي تعكس حال بلده، فتجتمع في الرواية شخصيات من دولٍ إفريقيةٍ وآسيويةٍ ومن دول شرق أوروبا التي كانت في ما مضى ضمن الكتلة الاشتراكية. وكل قصةٍ تختلف عن الأخرى، على الرغم من تماثلهما في كثيرٍ من التفاصيل. وعلى كل متقدم للجوء أن يكون لديه قصة تقنع المحكمة؛ كي يضمن موافقتها، لذلك؛ جَهَّز صباح خليل بدوره قصته التي ظنَّ أنها كافيةً، لكي يقدمها أمام محاكم هولندا. ولكن بعيدًا عن القصص المأساوية وقصص الحروب والنزاعات والمجاعات التي أجبرت غيره على ترك وطنه. يبدو لنا أن صباح خليل قد قرر السفر إلى أوروبا ليعيش الحلم الأوروبي فحسب! فبعد أن خُيِّرَ بين الزواج الذي امتلك مقوماته، حين تخرج من الجامعة، وبين السفر، بعد أن قدَّم له والده مبلغًا نقديًّا هديةً، قائلًا له: “تزوج بها أو اذهب إلى أوروبا” ما زاد عزيمته على السفر. فقد كانت العبارة الأخيرة بمنزلة السحر الذي خرج من شفتي والده فتلقفها، هو الذي تشبَّعَ بحكايات حاجي، ابن قريته القريبة من مدينة أربيل الذي عاد من أوروبا أخيرًا، وأخذ يسحر أهلها بقصصه العجيبة عنها، وعن حياته الأسطورية فيها، خلال السنوات السبع التي قضاها هناك.

بدأ حلم صباح بأوروبا يتكون بعد أن خَصَّه حاجي بعدة سهرات؛ كي يقص عليه سيرته، ويحكي له عن مغامراته مع نسائها، ويدعوه لتجربة حظّه. وما إن تَسلَّم صباح المبلغ من والده حتى بدأ يخطط للسفر. فبعد اتفاقه مع مهرِّبٍ يوصله إلى ألمانيا مقابل 12 ألف دولار، سافر إلى مدينة إسطنبول كي ينضمَّ إلى مهاجرين آخرين، سينقلهم المهرب إلى ألمانيا ويتركهم هناك لتدبر أمورهم، حيث تنتهي مهمته. هنا نطَّلع على بعض طرق تهريب المهاجرين، ومخاطر الطرقات والعربات المستخدمة في التهريب، والمسير في الغابات الخطرة –ليلًا- للوصول إلى نقاط يستقلون فيها عربات أخرى ويتابعون طريقهم. كانت السويد وجهةَ صباح، لكن صديق والده المقيم فيها، والحلاق التركي في برلين، نصحاه بالتوجه إلى هولندا؛ لأن الحصول على الإقامة فيها أسهل من أي دولةٍ أخرى. لم يجد صباح في أمستردام أي خيط من خيوط الحلم الذي تكوَّن لديه، فلم يحفل أحدٌ به أو بوصوله، هو ابن كردستان و”سليل حضارة الميدييِّن”.

كانت أول من تعلق بها صباح الذي يعشق الشقراوات ولا يفكر بغيرهن، فتاةٌ اسمها كاندي، إفريقية من ساحل العاج، رافقته من أمستردام إلى مركز استقبال المهاجرين، في “تير آبل”، في شمال شرقي هولندا. استطاعت كاندي بجسدها المثير ومشيتها التي تشبه مشية الملكات أن تُحدِثَ أول تغييرٍ لديه، إذ “أعادت غمسَ الألوان في ذاكرة صباح”، فأصبحت الألوان التي لم يكن يحبها مقبولةً لديه. و”رسمت كاندي بلونها الأسود لوحةً باهيةً جديدةً للألوان في عينيَّ”. وتلك أولى ثمار السفر، التي التقطها الكاتب، وعرف ما يحدثه في نفس الخارجين من مجتمعاتٍ منعزلةٍ.

في “تير آبل” نبدأ بالتعرف على العبارات والكلمات التي دخلت قاموس أبناء بعض الدول العربية على نطاق واسع، بعد الحروب التي ضربتها سنة 2011. إذ نجد كلمة “البصمة” التي باتت هاجس المهاجرين الجدد منذ سنتين، وتسميات “الكامب” و”منطقة شنغن” و”اتفاقية دبلن” الخاصة باللاجئين في أوروبا و”المعونة” وغيرها. كما نبدأ بالتعرف على أشخاصٍ وجماعاتٍ من جنسياتٍ عديدةٍ من الدول كافة، ونبدأ بالتعرف إلى المآسي التي أجبرتهم على قطع آلاف الكيلومترات، منها ما كان سيرًا على الأقدام.

وتحكي لنا الرواية عن صراع الشخصيات الداخلي، وتكسر أحلامها على حدود القارة الأوربية، ثم داخل مراكز اللجوء فيها. هذه الشخصيات التي تفضِّل البقاء فيها وتحمُّلِ أنواعٍ من الذلِّ كلها، على العودة إلى أوطانها والموت في الصراعات التي تضربها. ومن مركز لجوء إلى آخر، ننتقل مع صباح خليل، وتتغير الشخصيات مع انتقاله، فيحكي لنا عن ضحايا حروب وعن مرضى نفسيين، وأناس يختلقون قصصًا غير صحيحة للحصول على اللجوء، وعن طباعٍ غريبةٍ، وتضارب أذواق في المأكل والمبلس وأسلوب الحياة. فروقات تُحدِثُ شجاراتٍ بين مجموعات طالبي اللجوء، ومشاحنات وحالات انتحارٍ وقتل. وكلما تنقَّل صباح خليل، وغيره من طالبي اللجوء، كلما قلَّت حظوظهم في الحصول على سمة اللاجئ، لينتظروا قرارَ ترحيلهم إلى بلدانهم، وهو ما حصل مع صباح بعد سنتين من الانتظار والتنقل بين المراكز ومعاناة البرد وطرق التعامل المتفاوتة، وتصرفات بعض أبناء هذه البلاد، التي تنم عن عنصريتهم.

ترحيلٌ يتمناه ضمنيًا كثيرون، ومنهم صباح الذي بدأ يقارن بين شغفِ الحياةِ في بلاده وحرارة أبنائها، وبرودة أهلِ هذه البلاد وحيادهم. بين الإثارة المخبأة تحت ثياب نساء قريته، وفي القليل مما يَبانُ من أجسادهن، وبين برودة نساء الغرب، على الرغم من بعض تجارب العري المباح التي شاهدها أو خَبِرَها. صدمةُ اختلاف الطعم في كل شيء وفي كل تفصيلٍ، بل يبدو لك الاخضرار، المسيطر أينما وليَّتَ وجهك، مصنوعًا قاصرًا عن إثارة الروح، كما تفعل زهرة شقت طريقها بين صخور كوردستان القاحلة.

وفي هذه الرحلة، يكبر الألم، فتخلق لغة جديدة لدى المهاجرين. منهم من يستخدم لغةٌ شعرية في الحديث عن سيرته، ومنهم من يبدأ بتغيير أسماء الأشياء لتجميلها لغويًا. تكثيفٌ لغويٌّ في مطارح عديدة يفرض نفسه، ويأتي بشعريةٍ بعيدةٍ عن الإقحام، تبيَّنَ أن الكاتب لم يتوسلها، على الرغم من أنه صاحب التجربة الشعرية، من خلال ديوانٍ أصدره سنة 2002 بعنوان “كلمات ملوثة”.

رواية “لاجئ من أربيل إلى أمستردام”، حاجةٌ تفرضها سيرة حياة شعوب الشرق الذين تحولت ملايين منهم إلى لاجئين. وهي باكورة، ربما يتحضر كتاب آخرون لمجاراتها، بأعمال تخوض في سيرة اللجوء، وجعلِ هذه الأعمال سجلًا، يَتَسقَّطون من خلاله وفيه مآلات هؤلاء اللاجئين وعذاباتهم، والتغيرات التي تطرأ على عقلياتهم وسلوكهم عند اقتحامهم هذه القارة، وبعد الإقامة فيها.

مقالات ذات صلة

إغلاق