تحقيقات وتقارير سياسية

“جنيفات”… “أستانات”… بلا نهايات

يُقال إن في الإعادة إفادة، وربما التكرار يعلم الشطار أيضًا، ولغرابة أن الملل لا يتسلل إلى قلب متعلم فطين، من طراز سياسي رفيع المستوى، وهو يتقلب على “الجانبين”! جانب جنيف الناعم سياسيًا، أو هكذا يحبذ أن يدلّعه السيد ستيفان دي مستورا، المندوب السامي وربما النامي أو الحامي لا علم لنا ولا خبر! فجنيف وصفة سحرية في الحل السياسي، للحوكمة والدسترة والانتخابات المبكرة أو المتأخرة! أما جانب أستانا فهو للحلول العسكرية الخشنة، أو هكذا يحبّ أن يشد إزره، وإزر الذي خلفه من قبل أو بعد، السيد لافروف الراعي الرسمي للأولمبياد السوري – السوري في محطات النزال العسكري! فلمَ العجب؟ مادام القاضي راضي ومستمر في حكاية وحشية الغاب، وكأنها حكاية ألف ليلة وليلة من الموت والدمار غير المنتهي!

يقول الأعرابي في قرارة نفسه، لعمري لم أشهد مهزلة في التاريخ مثل المهزلة التي أرى، فحرب عالمية أولى قضّت مضجع الكرة الأرضية، وشاركت فيها دول كبرى ومحاور، انتهت في اجتماعات لوزان، وما أدراك ما لوزان! ففي لوزان، المدينة الجنوبية السويسرية مثلًا، وفي مؤتمرها المعروف بلوزان الثانية في 24/ 7/ 1923 وعلى أثرها وقعت الإمبراطورية العثمانية الخاسرة في الحرب العالمية الأولى صكوك تخليها عن المطالبة بعدد من دول المنطقة، كمصر وليبيا وغيرها! بينما كثير من “الجنيفات” إلى اليوم، لم تحسم خاسرًا أو رابحًا في سورية! لتبقى المسألة معلقة مرة على كتف جنيف، وأخرى على أسوار أستانا، فماذا بعد؟ يتساءل أعرابي بحرقة!

ربما كان الفارق -إلى اليوم- بين لوزان واحدة و”جنيفات” متكررة، في أن بوتين-روسيا ليس أتاتورك-تركيا، فمصطفى أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية الحديثة وعلمانيتها، أراد قبولها على خريطة العالم، ليس بوصفها إمبراطورية كبرى عالمية، وإنما بوصفها دولة ضمن حدودها السياسية والسيادية، بينما الروسبوتينية (روسيا – بوتين) لم ترضَ -إلى اليوم- بوجودها دولةً ضمن المنظومة العالمية، بل تحاول استعادة مجدها الغابر، بوصفها قطبًا عالميًا ثانيًا إبان الاتحاد السوفياتي، وليس هذا فحسب، وإنما جميع نوازع بوتين الشخصية مسخرة لمجده الشخصي، ضاربًا عرض الحائط بكل الأعراف الدولية وخطوطها الحمر؛ مستسهلًا الدم السوري، يسترخصه إلى درجة الإبادة الجماعية!

و”جنيفات” أربعة وخمسة أو تسعة بعد صيف، وكأنها استعارة مكنية من محمود درويش، فمنذ جنيف الأول، والتكرار يعلّم الشطار، وهيئة الحكم الانتقالي بين صد ورد، وكأن فيها صعوبة لغوية، أو فكرية، أو أشواطًا من العزلة اللاهوتية والخلوات الدينية والصلوات المقدسة! ليتلو جنيف 1 “جنيفات” و”جنيفات”، وبينها “أستانات” ولقاءات، وفي كل مرة يجهّز السوريون أنفسهم للحظة الخلاص من مذبحتهم المتكررة على قارعة الأمم الكبرى وفي منصة الأمم المتحدة، تؤجل “جنيفهم” ويعلن الجانبان التأجيل والتسويف وغير ذلك.. ففي التاريخ، وسنون قليلة باتت دهرًا! فقبيل جنيف اثنين اعتقد السوريون أن تسريبات قيصر سورية، الذي سرّب 55000 ألف صورة لـ 11000 معتقل، وما يزيد من سجون الظلام السورية أن الأمم المتحدة ستنهي القصة! وقبيل جنيف 3 أتى تصريح بوتين بتخفيض عدد قواته في سورية، دفعًا لعملية السلام، أو هكذا يزعمون! وقبيل جنيفنا الرابع هذا، كانت مشاهد المسلخ السوري في صيدنايا كفيلة بحل الأزمة! وأي أزمة نتكلم عنها مادامت حياتنا، وأرواحنا وحياة أطفالنا وصرخاتهم “يا بابا شيلني”، يا بابا أين نحن؟ في أي غابة للموت نحن؟ وثائق تودع -فحسب- في أدراج الأمم المتحدة العاجزة -إلى اليوم- عن وضع كلمة الفصل فيها! ويجيبك الغراب من بعيد: ابحث عن مقبرة أخرى في مدينة أخرى، فربما القابون أو درعا أو جوبر أو كلها مجتمعة، ودارِ فعلتك الهمجية فيها، ريثما تأتيك فرق التقصي والتحقيق الدولي؛ فتكون كل أدلة الإجرام قد تغيرت فلا عجب! وإن وجدت دليلًا دامغًا فالفيتو الأصفر الروسي – الصيني حاضر في كل وقت، فلم يمض على السادس منه شهران؛ حتى أتى السابع منذ أيام في جريمة الكيماوي، وربما يأتيك ثامن أو تاسع لا نعلم!

وعندما تعجز “الجنيفات” تطل عليك “الأستانات”، وهذه الأخيرة متمايزة، متفارقة ومتباينة! فأولها ذو طعمة سورية -سورية “للمعارضة الوطنية الشريفة” “تهدد” وترعد في الحل والحل السياسي؛ حتى انحلت أزرار القضية السورية، وكأنه المشهد تنافس بين حزب وحزب على سلطة في واقع أوروبي خالص، فمنذ صيف 2011 إلى اليوم، لم تنته اللقاءات المكوكية للمعارضات السورية المسماة “داخلية”، وكأن الباقي منا من كوكب آخر، أو نعيش في كون آخر، أو دولة أخرى حتى! لم تتوان عن تكرار طرحها الحل السلمي السياسي السوري المفعم بـ “تبويس” الشوارب، والمصالحة العامة، وحبذا كان هذا بالمقدور أو الإمكان، وحبذا كانت الأفعال على قدر الأقوال في التقريب بين القلوب، بدل اللعب في منتصف المسافة بين حبال النظام ومكاسب السلطة، والموقع فيه، وادعاء المعارضة، والانتماء إلى الثورة!

وتطل عليك “أستانات” أخرى،” أستانات” وقف إطلاق النار؛ فتستبشر خيرًا! “أستانان” سابقان لجنيف 4 لترتيب مسألة الأرض وقواها العسكرية وبحضور جديد للأردن وتشريف أميركي، ما يوحي بترتيب ما خلف الأبواب، وثالث يجهز حجيج جنيف أنفسهم إليه؛ لتعويض النقص في فيتامين “د” في الحل والحل العسكري؛ حتى باتت الأرض ومن عليها صحراء قاحلة لا ترجو منها خيرًا.

من ناصية المشهد، ومن البوابات العريضة لجنيف، يأتيك صوت حكومة الثقة والوحدة الوطنية، حكومة صلة الرحم السورية، التقارب السوري- السوري، محبة في الله وإخلاص في النيات “هكذا يخاطب إبليس دي مستورا نفسه”، حكومة تضم حدود الوطن، وتقوي عزيمة الجميع في العدالة والقانون والدستور! “ويمتد حبل الدردشة والترهات”، فتقف المنصات مشدوهةً من قدرة هذا الرجل في فهمه للمشكلة السورية ومأساتها، فحقيقة ما ينقصنا هو سن القوانين والأنظمة وتحسين رغيف الخبز؛ ليصبح أعلى مستوى من علف الحيوان! ويصم الجميع آذانهم عن “أنا إنسان مو حيوان”، ولِمَ هذه المبالغة النكراء مادامت المنصات منابر التعدد والديمقراطية، وشعبنا إن رغب في العودة إلى الوطن، فالحضن الدافئ بانتظاره، وكان الله على كل شيء قدير.

أيًا تكن نتائج اللقاءات المرتقبة، أستانا جديدة أو “جنيفات” أخرى، حلولًا وسطًا أو حلولًا حدّية، جبلًا تمخض فأرًا، أم طبول حرب عالمية كبرى، لا فرق، تظل المسألة السورية والسوريون فيها مركز الحدث، وسيتحملون كل نتائجها الكارثية، في حدّها الأدنى، أو في أعلى مستوياتها، وكأن القدر -مرة أخرى- يرسم لهم مجددًا أن يكونوا محور الصراع العالمي التاريخي، وأن تبقى حقوقهم ودماؤهم المهدورة ثمنه الباهظ إلى اليوم في الحل أو التعقيد، وفق مسارات المفارقات الدولية الكبرى، ولكل من اسمه نصيب، مهما تعددت “جنيفاتهم” أو “أستاناتهم” أو منصاتهم، فالفصل في القول دوليًا لم يؤن موعده، والحطب الباقي من سورية يكفيها لثورات وثورات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق