هموم ثقافية

في الكتابة.. الآن

يبدو لي أن ثمّة سمة مشتركة في روايات صادرة خلال السنوات القليلة الماضية، لعدد من الكتّاب السوريين -بعضهم متمرّس، مبدع ومعروف في حقل الأدب- وهي الانغماس في الموقف السياسي لما جرى -ويجري- في الثورة السوريّة، بأكثر وأظهر من الاهتمام بالشغل الفنّي الإبداعي الذي يضيف إلى منجز الأدب ما يستحق الحديث عنه.

بل يمكن القول: إنّ أصحاب تلك الأعمال -على التباين في الخبرة والتجربة الأدبية بينهم- قد شغلهم شاغل واحد وهو التعبير عن رؤيتهم السياسية لما جرى واستجدَّ في مسار الثورة، وتظهير مواقفهم منها، وتقديم تنبّؤاتهم في ما يتعلّق بمستقبل البلاد والعباد.

وفي تقديري أن قارئ تلك الأعمال الصادرة، لن يعثر في بنية سردها همًّا صميمًا منشغلًا بالعمل على إضافةٍ فنّيةٍ إبداعيةٍ نوعيّة، ليس إلى لوحة الأدب السوريّ فحسب، وإنما حتى إلى المنجز الأدبي الذي سبق صدوره للمبدع المُكرّس منهم.

وأودُّ الإشارة -هنا- إلى أنني لو كنتُ أقدمتُ على كتابة عملٍ أدبيّ، موضوعه مستمدّ من الثورة السوريّة، لما جاء حاملًا “همًّا صميمًا منشغلًا بالعمل على إضافة فنّية إبداعيّة نوعية”، تمامًا على غرار الأعمال التي أشرت إليها آنفًا، لأنّ شاغلي سيكون -أيضًا- كشاغل أصحابها نفسه.

لقد بدا واضحًا أن تركيز الكتّاب كان منصبًّا تمامًا على الموقف والاصطفاف والرؤية السياسية، بحيث جاء الحدث مُركَّبًا تركيبًا لخدمة ذلك، والشخصيّة مجرورة جرًّا للتمثيل على ذلك، ومحتوى الحوار كما لو كان مُقتبسًا من جلسات نقاش وجدل بين ناشطين سياسيين، والمسار العام للعمل أشبه بمسار المقالات والدراسات السياسية.

لا تكمن العلّة بالنسبة إلى الكاتب المبدع المتمرّس في عدم تنبّهه، ومحاذرة الوقوع في مطبّ المباشرة الفجّة، ولا هي في حداثة التجربة لدى الكتّاب الجدد، وضعف خبرتهم؛ بل المسألة تتعلّق بمسارعتهم إلى تناول الحدث المهول، وهو لمَّا يزل في مرحلة التقلّب والمفاجآت والنكوص والتقدّم والانعطاف والكمون ومعاودة الانطلاق.

ولعل من الضرورة الإشارة إلى أن مشاعر الكاتب وأحاسيسه لمّا تزل في المرجل المعلّق فوق النار المتأجّجة، تغلي وتفور وتحتدم، ومن شأن استمرار محنة الناس الرهيبة، والامتداد المريع للزمن، أن يزيدا من غليانها وفورانها واحتدامها، بحيث يستحيل -والحال هذه- أن تأتي حتى أعمال الكتّاب الكبار على خلاف  ما أتت عليه من غلبة طاغية للخطاب السياسي على الشغل الأدبي الفنّي الإبداعي الذي يُضيف جديدًا.

هل تُرى، في ظلال المحن والكوارث الكبرى، وتحت وطأتها الثقيلة الدامية؛ يشعر الكاتب أن من الترف بمكان أن يشغل ذهنه بالمسائل الفنيّة المعماريّة، وأن من واجبه الكشف عمّا يراه من حقائق ومخاطر واحتمالات، بل وأن يرفع نبرة الجهر بها، وإلاّ لوجد نفسَه خائنًا لرسالته؟

إذا ما كان الجواب نعم، فإن سؤالًا يُطرح: هل تنحصر تأدية “الرسالة” في كتابة الأدب تحت اعتقاد مفاده أنه لا يجوز للروائي -إزاء الثورة- ألاّ يُصدر رواية، ولا يجوز للشاعر ألاّ ينتج ديوانًا، ولا لكاتب القصة أن يبقى بلا مجموعة، أو الكاتب المسرحي من دون نصّ، وإلاّ عُدَّ الواحد منهم في ما لا يرغب أن يكون من عدادهم؟

مقالات ذات صلة

إغلاق