مقالات الرأي

الأيديولوجيا المهزومة التي اغتالت الثورة

كان المفكر السوري الراحل، ياسين الحافظ، سباقًا في بلورة تصوّر عن الأيديولوجيا المهزومة في كتابه الشهير “الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة”، منطلقًا من تجربة ذاتية وتاريخية في توصيف تلك الأيديولوجيا، في فواتها التاريخي، بكل ما يعنيه ذلك الفوات من انفصال عن العقلانية التي تبلورت في سياق الحداثة والتنوير الأوروبيين، ومن ثَمّ؛ عدم قدرتها على تحقيق الأهداف التي رفعتها شعاراتٍ، وانتقد الحافظ الرومانسية الثورية التي تحلى بها التيار الناصري، وكانت أحد الأسباب الرئيسة لنكسة حزيران 1967.

عدّ الحافظ أن البنية العربية هي أقرب لـ “البداوة الطبقية”، وأن المجتمعات العربية “تتخابط في مناخ ركودي”، أكثر من كونها “تتصارع في خط صعودي”، وقد بنى الحافظ على هذا التوصيف جزءًا مهمًا من تفسيره لمشكلات السياسة في العالم العربي، حيث تفصح المشكلات الكبرى عن نفسها عبر أيديولوجيا غير عقلانية، وهو ما يعرقل -بالطبع- مسيرة النهوض من الفوات التاريخي، خصوصًا في البنية التراتبية لمجتمعات زراعية، يتحكم فيها الدين والعرف إلى حدٍّ كبير.

وعلى الرغم من أن نقد الحافظ للبنية الاجتماعية – الاقتصادية للعالم العربي قد مرّ عليه ما يقارب أربعة عقود، إلا أنه ما زال يحتفظ بقوته، خصوصًا عند مقاربة الحقائق المستجدّة، ومنها بالطبع مآلات “الربيع العربي”، وفي مقدمتها الحالة السورية، حيث أصبح من الضروري معرفيًا وعمليًا مقاربة الوضع الراهن، في كارثيته، وانسداد أفقه، بالاستناد إلى ما هو أكثر عمقًا على المستوى البنيوي من تفسيرات “لعبة الأمم”؛ إذ إن الرمي المستمر للكرة في مرمى تلك اللعبة لا يجدي نفعًا في فهم الإعاقات الأيديولوجية والمجتمعية التي أسهمت في بروز قوى الثورة المضادة.

منذ نهاية 2012، بدا واضحًا أن القوى المسلحة الإسلامية قد أوشكت على وأد ظاهرة “الجيش الحر”، وأنها راحت تتنامى في القوّة والتأثير، والإفصاح عن ارتباطاتها الأيديولوجية أكثر فأكثر، وهو ما تزامن مع تراجع شديد لتأثير النخب الليبرالية والقومية واليسارية التي تنتمي بجلّها إلى المعارضة التقليدية، إضافة إلى ظهور السلفية الجهادية، ومنافستها للإخوان المسلمين، بل وتصدرها للمشهد العسكري المعارض، إذ بات تعبير “المعارضة المسلحة” مع مرور الوقت متطابقًا مع “المعارضة الإسلامية”.

لقد تورّطت بعض النخب السياسية العلمانية في الانسياق وراء تفسيرات واهية لتنامي ظاهرة الجهادية السلفية في سورية، وغضّت النظر عنها، انطلاقًا من مقولتي “التناقض الرئيس” و”التناقض الثانوي”، وعدّت تلك النخب أن المهمة الرئيسة هي إسقاط النظام، وإسقاط النظام وحسب، أي من دون حسابات نقدية وواقعية إلى الكيفية التي تنامت بها التنظيمات الجهادية السلفية، أو لكونها تمثّل الوجه الآخر للاستبداد، وأنها لا يمكن أن تقبل بنموذج سياسي وطني بعيدًا عن تصوراتها، وقد امتدّ ذلك التورط في محاباة القوى السلفية إلى عدّها جزءًا من “الثورة السورية”، كما في تصريحات لقياديين من “الائتلاف الوطني”.

إن الثورة السورية، وجميع ثورات “الربيع العربي”، هي ثورة على الاستبداد الأمني والسياسي الذي دام عقودًا، واتخذ من شعارات المواجهة مع الإمبريالية و”إسرائيل” والرجعية غطاءً لشرعيته المنقوصة في الداخل الوطني، وبهذا المعنى، فإن الثورة وقواها، نظريًا على الأقل، على تضاد جذري مع الاستبداد بجميع أشكاله، وأنها -بناءً على هذه الجذرية- تنمّي رؤيتها وخطها، وتبني مواقفها، وإلا فإن أي نضال لإسقاط النظام السياسي يصبح صراعًا على السلطة السياسية، وإن اتخذ من الثورة غطاءً له.

وبالعودة إلى المفكر الراحل ياسين الحافظ، فقد عدّ العامل الأيديولوجي سببَ إخفاق التجربة الناصرية، وأن تلك الأيديولوجيا “كانت متأخرة ومحافظة، وتفتقر إلى وعي كوني وتاريخي”، وإذا نظرنا إلى الأيديولوجيا التي سادت على الساحة السورية منذ 2012، أي الأيديولوجيا السلفية، فهي أكثر تخلفًا من الأيديولوجيا الناصرية، فضلًا عن كونها، بمرجعيتها وارتباطاتها مع “القاعدة”، تشكّل الوجه الأكثر أزمة في الإسلام السياسي، وهي لا تفتقر إلى التفكير الكوني والتاريخي المرتبط بالتقدم فحسب، بل إنها على تضاد وجودي مع ذلك الفكر.

إن قبول بعض الشخصيات العلمانية لعب دور سياسي، يغطي على التنظيمات السلفية، يكشف عن وجه سلفي علماني، يعتقد أنه من الممكن المضي نحو دولة ديمقراطية تعددية عبر قوى سلفية، وأنه لا غنى عن القبول مرحليًا بها، في مرحلة الصراع مع النظام، وهو ما ينمُّ عن أيديولوجيا تفتقر إلى الحدّ الأدنى للعقلانية السياسية، أو إلى القراءة التاريخية، ومن ثَم؛ فإن التقاء نمطين سلفيين: أحدهما إسلامي وآخر علماني، أسهم في اغتيال الثورة السورية في بعدها الجذري، مع فارق مهم، وهو أن السلفية الجهادية باتت قوة عسكرية مسلحة وازنة، بينما السلفية العلمانية سلفية منزوعة الأنياب وانتهازية، ولا تتمتع بالنزاهة الفكرية تجاه قيمها.

وإذا كنّا على أبواب الذكرى السادسة لانطلاقة الثورة السورية، (وأميل دائمًا إلى تسميتها بالانتفاضة لاعتبارات تتعلق بالمفهوم وتطابقه الواقعي)، فإن المطلوب اليوم هو تصويب النقد نحو الأيديولوجيا المهزومة، وبناء توجّه فكري عقلاني يؤسس -مع الوقت- لحامله السياسي، معيدًا الاعتبار إلى أهداف الثورة نفسها، وأن يتحلى بالشجاعة الفكرية والسياسية في نقد الفكر السلفي وبناه الفكرية والاجتماعية، علّه يتحول إلى قوة مثل، تستقطب الأجيال الشابة من السوريين والسوريات.

مقالات ذات صلة

إغلاق