أدب وفنون

كتاب الهوامش نصوص “أدبفلسفية”

في (نصوص “أدبفلسفية” – دار كتابوك) ينطلق خلدون النبواني من القصص التراثية البسيطة، والسلوكيات والعبارات اليومية، ليقدم قراءات أخرى لما يبدو بريئًا ومألوفًا، فيعمل مشرطه في الواقع والشعر والمفهومات.

الأدب يخلق تكوينات جديدة، يطرح رؤى مختلفة، عبر إيقاظ حساسيات خامدة. لكنه فن وصناعة؛ لا يقوم بغير متلقٍ، مطالب بتقديم عمل: متكامل؟ لا. ربما عمل قادر على التعايش، قادر على جذب الانتباه. هذا الجذب يحدث بطرق شتّى؛ فتسمع كلمات مثل: (فن هابط، عمل تقليدي، نص شعبوي، رواية نخبوية…)، أما الفيلسوف، فلا يعبأ بالشهرة والتواصل الآني، بقدر ما تعنيه مغامرة الكشف ذاتها.

الفلسفة والأدب يلتقيان في اللغة، وقد حرم الفلاسفة أنفسهم حق استخدام اللغة بكل طاقتها. ظهور كتابات ‹‹نيتشه››، ودفاعه عن الفن قادتنا نحو مفترقٍ بين نظرتين وحالتين، وهناك بعض الكتاب امتزج في أعماله الأدب بالفلسفة، قبل ذلك، ولا سيما في اللغة الفرنسية، كما يذكر الكتاب.

 

بروليتاريا النصوص

هل اللغة قادرة على نقل الأفكار؟ أم أن الإنسان يفكر باللغة؟ التجربة الروحية مثلًا لا يمكن نقلها كما يقول المتصوفة، ‹‹النبواني›› يُحرّض الفيلسوف على استخدام اللغة بكل إمكانياتها، يطالب الفلسفة بأن تفتح أبوابها لموضوعات أقصتها، كالمرأة والمخيلة والشعر.

بعد أن يعيد المكانة للأسلوب في نص “جماليات الثرثرة”، يلتفت إلى ناحية أخرى، فيجعل الفكرة أهم عناصر النص، فهو يرى أن الأسلوب ينقلب، مهما كان ساحرًا، الى نوع من الحلويات التي نملها إن لم يأت كل مرة بجديد.

يلخّص عمل ‹‹دريدا›› بعبارات تبسيطية؛ ليقول إن التفكيك هو كشف تناقضات النص، ويُعرّف الفيلسوف -في موضع آخر- بأنه: “من يخلخل الوعي السائد، ويكسر الأصنام، ويحرّك القناعات الجامدة… والمزعج الذي يوقظ النيام”. يحدث ذلك، عبر “رؤية ما وراء السطح الخارجي، وكشف الحجاب الرقيق الذي يمنعنا من رؤية الحقيقة”.

في سبيل هذا، نحتاج إلى دربة طويلة ومساءلة (للمفهومات والسلوك)، اللذين يرفض أن يكون أحدهما تابعا للآخر، وعدّهما صديقين لدودين، أو عدوين حميمين، يسيران في رحلة كشف نحو عوالم مستحيلة، فالحياة عملية تجاوز واختلاف وانفصال لا تنتهي.

إنه يكتب النص المفتوح؛ إذ يبدأ من نقطة جامدة ليكتب هوامش حولها، ويفتح الباب أمام هوامش أخرى، فلا عجب أن ينتهي كل نص في الكتاب بـ “…”، ويحاول الوصول إلى شيء من “بروليتاريا النصوص”، فيكتب: “حتى مع نصوصي أميل إلى الثانوي والهامشي والمظلوم منها. لعلي أشعر بالحقد أحيانًا على نص لي نجح فابتلع غيره”.

 

الرقص على الحافة

“قلت لها في الليلة الماطرة/ البحر عنكبوت/ وأنت -في شراكه- فراشة تموت” ‹‹مزامير – أمل دنقل››

الفلسفة لا تكتفي، مثل العلم، بإخبارنا بوجود الحافة بلغة محايدة، بل تعيش معنا سقوطنا النهائي المنتظر. حال الكاتب كحال الاسكندرية في نص (مزامير)، عالقة على الحافة، لا تتماهى مع البحر والمطلق، ولا تقدر أن تحل مشكلات البر وتتصالح معه.

“الشجرة قصيرة والظل طويل، إنه الغروب.” يقول ‹‹الماغوط››. ماذا لو قلبنا الجملة، يتساءل الكاتب: “الشجرة قصيرة والظل طويل، إنه الشروق؟”. وهذا العملية التي أجراها تذكرنا بمقطع للشاعر الأمريكي ‹‹دونالد هول›› “الشهوة هي حزن/ انقلب فوق السرير/ لينظر إلى الجهة الأخرى”.

يكمل حكاية ذات القبعة الحمراء، المعروفة عندنا بقصة (ليلى والذئب)، فنكتشف أن الصياد الذي أنقذ ليلى ما هو إلا ذئب آخر. ينسف قصة (الأرنب والسلحفاة) من أساسها، فالأرنب قد انسحب منذ البداية من سباق غير متكافئ، والسلحفاة إن وصلت إلى خط النهاية، سيكون الجميع قد ملّ الانتظار.

إنها حكايات شهيرة عابرة للثقافات، ربما لهذا كانت أهدافه الأولى.

 

ماذا عن القارئ؟

هناك قارئٌ يرفض ‹‹طه حسين›› لتحديه نصوصًا راسخة. من زاوية أخرى، رواية ‹‹قايين›› للبرتغالي ‹‹ساراماغو›› قدمت قراءة أخرى لقصص قديمة، وكتبت بأسلوب ساخر. على الرغم من ذلك، لم تخلو بعض مقاطعها من بث الضجر، إذ كنّا مجبرين أن نقرأ ما نعرفه قبل أن يحدث الانفصال. يرتبط القارئ بالقصص بعلاقة عاطفية -أيضًا- فالعمل الفني إما أن نحبه أو نكرهه. ألا تحوي طريقة الكاتب استفزازًا نفسيًا وتمزيقًا لأشياء ألفها القارئ؟ لماذا نريد أن نحرم الناس وقودًا احتاجوه في سبيل العيش؟

ثم هل نستطيع ذلك؟ وهذا تساؤل ‹‹نيتشه›› حول إمكانية أن ندحض ببراهين، ما صدّقه الناس بلا براهين. أليس من الأجدى أن نقدم نصًا جديدًا بلغة مختلفة ومفهومات جديدة؟ ألم يقتل ‹‹أبو نواس›› الطلل بحديثه عن الخمر، بينما جاءت سخريته المباشرة منه كطرفة بسيطة؟

في نص بعنوان: (القارئ كاتبًا) يقول ‹‹النبواني›› إن القارئ موجود قبل الكاتب “يملي شروطه والكاتب ليس حرًا في توجيه النصوص”، فالقارئ “يساهم في كتابة نصه الأهم: نص وجوده وعدمه…”.

 

أشباح الأب

نجد في سياق الكتاب نصًا بعنوان “أشباح الأب” التي تستمر بالحياة من بعده، لا بد أن هذا أحد دوافع الكاتب للعمل، أي الانتصار للحياة على الفكر التقليدي، لكن الكاتب لا يرغب في تحديد سبب اختياره للموضوعات التي يقدمها.

 

التقت ‹‹جيرون›› مع المؤلف؛ لتوضيح هذه النقطة، وقد وصّف الكتاب بأنه وليد تجربة خاصة، ويختلف عن كتبه السابقة: “الكتاب هو ابن الثورة وابن الحرب، حمل كل جينات الثورة وآمالها وطموحاتها وانكساراتها، قوتها وهشاشتها، حتى الحب في الكتاب والقضايا الفلسفية التي حاولت أن تهرب من الثورة والحرب، هي مسكونة بأشباحهما ومكتوبة بيديهما الداميتين. هو إذن كتاب الزوبعة، أو كتاب متزوبع، وليس كتابًا أكاديميًا تخصصيًا موجهًا لقراء الفلسفة أو المهتمين بالنقد الأدبي حصرًا. هو ابن مرحلة مضطربة، فجاء كتابًا فوضويًا متمردًا ثائرًا على الخطوط والحدود والقوانين والمعايير وربطات العنق الأكاديمية وقاعات المحاضرات”.

 

السائح

يغرق الكتاب بكمٍّ كبير من المفارقات والأخيلة والأحداث، يسرد أحداثًا ويدير حوارات، يكتب وينقد نفسه، واصفًا نفسه بالسائح. وحول هذا، يقول الكاتب: “هو كتاب الأسئلة لا الأجوبة، وله وضعه الخاص، على خلاف ما أقدمه في دراسات أكاديمية أخرى، تلتزم بربطة العنق التي يرميها هذا الكتاب على الأرض ويدوس عليها، بوصفها من النظام القديم الذي يجب الثورة عليه”.

ربما لهذا لا يبرئ نفسه من الاختيار، ويطرح على نفسه الأسئلة الأصعب، كأن يختار بين الديانات الإبراهيمية في مشهد مفترض.

يقول ‹‹النبواني›› إن معبر نيتشه، ذو النظرة الأرستقراطية، نحو القمة غدا أفقيًا نحو اللا نهاية. يرفض الثنائيات جميعًا، يعدّ الرؤية نسبية وناقصة، ويعترف أن فكره لا ينطبق على سلوكه، وأن الكتابة تفضحه أكثر مما تستره.

 

الجدير بالذكر أن خلدون النبواني، حاصل على دكتوراه في الفلسفة الغربية من جامعة السوربون، يكتب بالعربية والإنكليزية والفرنسية، وألقى محاضرات في عدد من العواصم الأوروبية. من مؤلفاته: ‹‹في بعض مفارقات الحداثة وما بعدها››، ‹‹قصاصات››. ترجم ثلاثة كتب من الانجليزية إلى العربية بعنوان “الفلسفة في زمن الإرهاب- حوارات مع جاك دريدا ويورغين هابرماس، صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في قطر سنة 2013، وعام 2015 صدرت له عن دار التنوير في القاهرة ترجمة لكتاب فلسفي آخر بعنوان “في السعادة – رحلة فلسفية” للفيلسوف الفرنسي فريدريك  لينوار، و صدرت عام 2008 ترجمته لرواية “سر الصبر” للروائي جولتين غاردر جوستين…

مقالات ذات صلة

إغلاق