أبحاث ودراسات

محاكمة الواقع ضرورة تاريخية

علينا أن نعي أن السياسة ليس لها مفعول رجعي، أو تقبل بالأخطاء الجسيمة. إنها ابنة اللحظة الآنية، والمستقبل، لا تلتفت إلى الوراء أبدًا، بل تكره الماضي، تحتقره، ترميه عن نفسها مباشرة، تبحث عن ثغرات في الواقع لتشق طريقها. تتحسس المناطق الرخوة، والمجرى الآمن، لتتسلل منه للوصول إلى المستقبل.

وعلى الرغم من أنها ابنة المستقبل، فإنها رجعية في تكوينها، تكره حركة الحياة والارتقاء، خائفة، حذرة تسير بتوتر وقلق، ببطء، ترسي لنفسها مكانًا فوق الأرض الرخوة.، وتتنكر لكل من عمل معها، ترفسه، ترميه أرضًا إذا غلط أو غفا عنها.

في السياسة عليك أن تكون مستيقظًا، يقظًا، مئة بالمئة، كالذئب تمامًا، عيناك مفتوحتان دائمًا، استعدادًا لمجابة الخطر، سواء أكان موجودًا أم غير موجود.

تفتقر المؤسسة السياسية في المجتمعات الضعيف تكوينها الاجتماعي إلى التماسك، بل يسودها الاضطراب والفوضى لغياب حامل اجتماعي اقتصادي ذي المضمون السياسي؛ ليرفع الدولة والمجتمع ويدفعهما نحو تطوير المجتمع ومؤسسات الدولة؛ ما يفسح المجال للعسكر للقيام بالانقلاب العسكري؛ لكون هذا الأخير أكثر انضباطًا، وفلسفتهم قائمة على الإجماع، بينما يتنافس السياسيون للدفاع عن مصالحهم أو مصالح بعض الشرائح الاجتماعية التي تمثلهم. ولم تسمح هذه الانقلابات في تبلور مؤسسة سياسية تكون حاملًا لبناء دولة معاصرة، تضع الهم الوطني والاجتماعي في برنامجها.

تثبت الأحداث أن البناء الاجتماعي في بلداننا يعتمد على الروابط العائلية والقبلية والطائفية والعشائرية والدينية، وهي المحددة لوعي الناس في المجتمع العربي، أكثر مما يحدده شعور الانتماء إلى جماعة وطنية واحدة، لهذا يفتقر المجتمع إلى قوة التماسك في مواجهة مصيره.

في البلدان الاستبدادية، ضعيفة التكوين الاجتماعي، يكون الجيش هو المؤسسة الوطنية التي تحمي الدولة والمجتمع من الانهيار، ويكون مرشدًا للاندماج الاجتماعي، بيد أن ما فعلته الأنظمة العربية في فترة وجودها وفي صيرورتها في الحكم هو تخريب هذه المؤسسة من الداخل، عبر إفسادها وتدمير مرتكزاتها، إلى أن خرجنا عراة بالكامل. وإن الانقلابات المتكررة نهشت الدولة والمجتمع وجعلتهما يتآكلان تحت ضربات قوى لا مسؤولة.

إن الانقلابيين يدركون ما يفعلونه تمامًا، وهو الوصول إلى الثروة الاجتماعية، بوسائل ملتوية، وتحقيق أهداف وأغراض ومصالح المهيمنين على القرار فيه.

إن تضعضع البناء الاجتماعي وضعفه، وتشرذم السياسيين وتخندقهم، وعدم وجود رؤية واضحة لهم، جعل ويجعل العسكر يقبعون في رأس السلطة في بلادنا منذ عقود طويلة.

إن الهزائم السياسية أو العسكرية معيار حقيقي لقدرة المجتمع والدولة على مداواة الجراح، أو بقائه مفتوحًا. ففي إعلان دولة إسرائيل، والهزائم التي منيت بها الجيوش العربية في فترة قيامها، كشف هشاشة الحكومات العربية، والمجتمع العربي، والعسكر العرب. وبدلًا من معالجة هذا الشرخ العميق في البناء الوطني كله، والجلوس وجهًا لوجه أمام المصير، كتابًا ومفكرين، سياسيين وعسكريين، ووضع النقاط على الحروف، انبرى كل طرف يحمّل الطرف الأخر أسباب الهزائم المصيرية، دون محاولة معالجة جذور المأساة، وكيفية تدارك الأخطاء والنواقص؛ من أجل معالجة هذه الكارثة التي ألمت بالمنطقة والعرب.

سارت الحياة في المدن العربية بعد هزيمة فلسطين سيرًا طبيعيًا، وكأن تلك الكارثة حدثت في منطقة أخرى من العالم، وكأن هذه الأرض وتاريخها وتاريخيتها، ووجودها لا يحتاج إلى تفعيل العقل فيها، ووضع الحلول القريبة والبعيدة لمعالجة هذا المصير.

ففي سورية جرى اتهام متبادل بين الجيش والمؤسسة الحاكمة، وكأن خسارة فلسطين كانت خسارة مباراة كرة قدم، وكل طرف يحمل الآخر مسؤولية ما جرى، وتبادل الطرفان الاتهامات الرخيصة. وكل طرف يريد أن يستغل الهزيمة؛ لتثبيت موقعه في الدولة والمجتمع، بل إن الحساسية السياسية بين النخبة الحاكمة وصل بها إلى درجة من السوء أن دفعت مجموعة من النواب، وعلى رأسهم أكرم الحوراني، ليشجعوا رئيس الأركان حسني الزعيم فينفذ انقلابه الظالم على المؤسسة المدنية، ويكرس سابقة خطِرة أصبحت مقدمة لقيام انقلابات أخرى في المنطقة.

إن الأسباب التي تذرّع بها الانقلاب عام 1949 كانت واهية تمامًا، من حيث المسوّغات التي ساقها حسني الزعيم وجيشه، تركت ندوبًا في الدولة والمجتمع، لم تشف منها سورية إلى الآن، بله أبعد المؤسسة السياسية المدنية، وهمّش المسار الديمقراطي للدولة السورية الوليدة، وأبعدها عن الحكم طوال سبعة عقود خلت، سوى ما تخللها من سنوات قلائل جرت فيها العودة إلى النظام الديمقراطي.

ما ساقه الجيش لتسويغ قيامه بالانقلاب أنه يتعرض للتحقير من بعض السياسيين والنواب، أو اعتزاز بعض النخب الحاكمة بأرستقراطيتهم وجذورهم وعائلاتهم، أو إرسال حسني الزعيم كتابًا إلى رئيس الوزراء، خالد العظم، يلومه على تأخير دفع رواتب الضباط والجنود، ولم يرد عليه هذا الأخير.

في حيثيات انقلابه، قدّم رئيس الأركان، حسني الزعيم، بيان انقلابه الواهي؛ اتهم فيه الحكومة بالفساد وخرق الدستور، وزعم أن الجيش اضطر للجوء إلى الانقلاب العسكري؛ لإقامة نظام ديمقراطي حقيقي في سورية، ووعد بإعلان الحرب على الفساد والثراء غير المشروع، وإدخال إصلاحات اجتماعية، والقضاء على النظام الإقطاعي، وتحسين أوضاع العمال والفلاحين، وتوزيع أراضي الدولة بينهم، والدفاع عن استقلال البلاد.

لم يكن الشعب السوري يدرك ما معنى الانقلاب العسكري في ذلك الوقت، ولم يتصدَّ له، بل راح كثيرون يباركون هذه الخطوة الخطِرة.

البنية الاجتماعية الضعيفة، تداخل الهم الوطني بالسياسي، بالمخلفات القديمة، كالدين والطائفية، التي تشده إلى الخلف وتحبط تطلعاته، والصراع الداخلي في البنية النفسية للإنسان الشرقي، بين ما يرغب، وبين التكوين النفسي والثقافي الذي ترعرع عليه، بين الرغبة في التحرر والرغبة في التقديس، هذا التضارب بين القديم والجديد، بين الماضي والحاضر، زعزع، ويزعزع ثقة الإنسان بنفسه، ويشتت تفكيره، ويجعله يعيش في مكانه حائرًا ضعيفًا، لا يعرف ماذا يريد، وكيف يتجه، ولا يملك زمام المبادرة والقرار على مصيره ومستقبله، ومستقبل وطنه ومجتمعه.

لا شك في أن الاستبداد الثقافي والديني، يحول الإنسان إلى كائن تابع، ضعيف، يقبل الوصاية عليه. متردد، جبان، لا يستطيع أن يأخذ قرارًا إلا في المناطق الرخوة، ليكون بمأمن من الأقوى منه.
الاستبداد ليس سياسيًا أو اجتماعيًا أو إنسانيًا فحسب، وإنما يمس صلب التكوين النفسي للإنسان، يحوله إلى شيء، كائن خفيف، لا قيمة له، ولا يحس بأي قيمة لوجوده، ولا معنى لكرامته الشخصية أو الاجتماعية أو الإنسانية. يعمل جاهدًا لنيل اعتراف الآخر به؛ ليمده بالقوة من خارجه.
في الحقيقة، إنه كائن هش، ضميره ميت، منافق، يلعب على عدة حبال، دون شعور بالمسؤولية الأخلاقية أو الوجدانية. ولا يعترف بأي ذنب أو سلوك غلط قام به.

الحقيقة، نحتاج إلى محاكمة الثقافة التي تكرس مفهوم الفرد المميز، المتحور حول ذاته، القوي جدًا من الخارج، والمخلخل من الداخل. ثقافة الأب، ذلك القوي الذي يزجر أولاده وزوجاته ويلف الجميع تحت عباءته أو إبطه، وإلا ما معنى أن يتواطأ النواب مع الانقلاب المسلح ضد حكومة مدنية منتخبة، في دولة فيها فصل حقيقي للسلطات، صحافة حرة، واقتصاد غير مقيد، وحركة اجتماعية سياسية ناشطة بعد استقلال حديث.

يمكننا طرح السؤال: لماذا لم يفكر هؤلاء الذين وقفوا مع الانقلاب في تطوير المؤسسات السياسية بدلًا من إعلان العجز العام، والاختباء وراء ديكتاتور صغير، منافق وتافه، لا يعرف توجهه وأفكاره، بل هناك إشارات كثيرة إلى السلوك المشين في شخصية الزعيم وفساد أخلاقه.

الترحيب بالانقلاب كان كبيرًا، أحزاب وقوى اجتماعية وشخصيات وطنية وطلبة جامعة.

إن المجتمع الذي يوافق على بديل غامض، يستحق أن يقف المرء أمام ذلك مليًا، ويقرأ بتأمل وتأنٍ وهدوء، ويطرح على نفسه السؤال العميق:

– لماذا رحب المجتمع بالانقلاب، وهو لا يعرف عنه أي شيء؟

– لماذا أعطى صوته لنخبة عسكرية، انقلبت على الدستور ومؤسسات الدولة؟

_ من هو وراء الانقلاب خارجيًا وداخليًا، وماذا يريد؟

– كيف يمنح مجتمع ما ثقته بشريحة جاءت على ظهر الدبابة، دون أي يقاومه، أو في أضعف الأيمان، لماذا لم يرفضه؟

– لماذا يستسهل مجتمعنا القضايا المصيرية، ويتعامل معها كأنها شيء عادي؟

– لماذا يقامر مجتمع ما على مصيره، دون خوف على نفسه، وعلى الأجيال المقبلة، ويتعامل مع مصيره بخفة، وانعدام المسؤولية السياسية والأخلاقية والإنسانية؟

– من أين تأتي لهذا المجتمع تلك الثقة الوهمية بالآخر الغريب؟

إن الترحيب بالانقلاب كان واسع الانتشار بين الناس، وربما لم يتخيله ذلك المغرور حسني الزعيم نفسه. وربما شجع هذا العسكر أن يقدموا على الفعل، مرة، وثانية، وثالثة، لاستسهال القيام به.

جاء التأييد من الطبقة الوسطى، والمهمشين، والطلبة بالدرجة الأولى، ومن جميع المحافظات. والأغرب أنها جاءت من سلطان باشا الأطرش، وفارس الخوري، تلك الشخصيات الوطنية التي قاومت فرنسا، بيد أنهما وقعا في مصيدة أشد خطرًا، وهي قيام عصابة مسلحة بالانقضاض على الدولة والمجتمع وتطويبهما باسمها.

إن المؤسسة العسكرية في العالم كله بناء أو هيكل تنظيمي متكامل، يعمل تحت السياسي، رديف في تكوينه للبناء السياسي العلوي. فهو مبنى هرمي منظم، متماسك، له قوانينه وعلاقاته وقضاؤه، يعتمد على القوة المنظمة، ولديه نزوع للسيطرة المباشرة، ثيابه موحدة، أسلوب خاص في الممارسة، يعتمد على الأوامر، قرارات قاطعة من فوق إلى تحت، ولا يسمح لأعضائه أي رفض. إنه دولة مبطنة، مغلفة داخل دولة، يحتاج إلى فتيل ليخرج من جحره، وينفذ وصاياه على الدولة والمجتمع.

وباركت الأحزاب السياسية السورية الانقلاب: كالحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب البعث، ونزل أعضاء هذا الأخير إلى الشوارع؛ تأييدًا وترحيبًا بهذا الكركوز العسكري المسمى حسني الزعيم، منددين بالحكومة المنتخبة التي كان يرأسها الرئيس شكري القوتلي، ذهابًا مع المثل القائل “نكاية بالطهارة فعلها بثيابه”.

أوضح عميد الحزب، ميشيل عفلق، في مذكرة بعث بها إلى الزعيم في 24 أيار/ مايو 1949 الأسباب التي دعت حزبه لتأييد الانقلاب: بوصم العهد القديم باللامشروعية، لذلك؛ كان التخلص من العهد السابق تخلصًا من عهد غير شرعي.

بهذا الاستسهال وقف حزب البعث -أيضًا- ضد الدستور ومؤسسات الدولة، وانقسم حزب الشعب، الخصم اللدود للحزب الوطني، والرئيس شكري القوتلي، على نفسه. قسم تعاون مع الانقلابيين بقيادة معروف الدواليبي، وقسم وقف ضدهم بقيادة، رشدي الكيخيا وناظم القدسي، عادّين التعاون مع العسكر غير مضمون العواقب، بالنسبة إلى مستقبل الوطن.

وأيد الإخوان المسلمون الانقلاب، وأرسلوا مذكرة إلى حسني الزعيم، طالبين فيها محاكمة المسؤولين السابقين، وتقوية الأمة، والعناية بالجيش، وإقامة نظام اقتصادي، يكفل نهضة البلاد. الاستثناء الوحيد كان الحزب الشيوعي السوري، إذ رفض الانقلاب جملة وتفصيلًا، وبقي على رفضه، وهاجم حسني الزعيم طوال وجوده في الحكم. ودعا إلى إسقاطه وإسقاط نظامه العسكري مؤكدًا رغبة الشعب السوري في بناء نظام ديمقراطي جمهوري، وليس ديكتاتورية عسكرية.

مقالات ذات صلة

إغلاق