مقالات الرأي

في الغوطة الشرقية: دفاعًا عن ذات غير إلهية

قررت النيابة العامة في مدينة دوما، الأربعاء 8 آذار/ مارس 2017، إغلاق جميع المقرات العائدة لمجلة “طلعنا عالحرية”، على خلفية مقالة في المجلة، تعرّض فيها الكاتب للذات الإلهية.

ليس غريبًا أو مفاجئًا أن تُقدم سلطة “إسلامية”، لا رادع لها في نطاقها، على إغلاق مكتب صحيفة، تعمل في نطاق سيطرتها، بسبب مقالة ترى فيها “إساءة لذات الله تعالى”، الغريب هو أن تسمح هذه السلطات بوجود صحيفة في منطقة سيطرتها، يمكن أن تنشر مثل هذه المقالة، والأغرب -حقًا- هو أن تتجرأ هذه الصحيفة على نشر مقالة بهذا المضمون في ظل مثل تلك السلطات.

المقالة المقصودة تتناول بانفعال (وهو انفعال مفهوم بالتأكيد) حادثة الطفل السوري الذي بُترت ساقاه بقصف جوي سوري- روسي لإدلب، فاستغاث بأبيه أن يحمله بعد أن خسر ساقيه: “بابا شيلني”، ويجعل المقال من هذه الصرخة عنوانًا له، ويتحدث المقال عن “عجز الله والحضارة والدولة” عن حماية هذا الطفل. الانفعال يسيطر على المقال ذي الأفكار المشوشة، ولا يمكن فهمه خارج دائرة الانفعال، أي “فشة خلق”.

الحق أن في الأمر جرأة من جانب الكاتب والصحيفة معًا، حرّضها حادث مؤثر إلى حد لا يُحتمل، مثل الحادث الذي يتناوله المقال. غير أن هذه الجرأة تقوم -في ما يبدو- على رهان بأن السلطات القائمة في المنطقة، وهي تعود إلى جيش الإسلام، يمكن أن تُمرّر مثل هذا الكلام، وتتعامل معه على أنه تعبير عن رأي مخالف فحسب، أي: تقوم هذه الجرأة، في الغالب، على فهم مغلوط لطبيعة السلطات القائمة، أي: على وهم. وإلا فإن في الأمر محاولة انتحار صحافية صريحة.

إذا صح هذا التفسير، ونعتقد أنه صحيح، فإن هيئة تحرير الصحيفة لديها شك، أو ليست على قناعة تامة، في أن تكون تلك السلطات القائمة هي المسؤولة عن خطف المناضلين الأربعة من مركز توثيق الانتهاكات في سورية، في كانون الأول/ ديسمبر 2013، وإلا لامتنعت عن نشر مقالة أقل جرأة من هذه المقالة، فكيف بمقالة تصل إلى حد الاستفزاز. لكن الحقيقة هي أن الفهم المغلوط لطبيعة الأحزاب والمجموعات والقوى الإسلامية مستمر، وبناء على هذا الفهم؛ تستمر الرهانات ذات النتائج الكارثية.

من ناحية أخرى، لم تدع السلطات الإسلامية -تلك- مجالًا لمن يريد أن يرى نصفًا مليئًا في الكأس، أو جانبًا يمكن الدفاع عنه بالقول -مثلًا- إن المقالة استفزازية أكثر مما ينبغي تحمله، ذلك أن تلك السلطات لم تكتف بإغلاق مقر الصحيفة، بل أغلقت أيضًا مقرات مؤسسات (شبكة حراس الطفولة، ومركز توثيق الانتهاكات VDC، ومنظمة اليوم التالي، ومكتب التنمية- دعم المشروعات الصغيرة، ولجان التنسيق المحلية)، لا علاقة لها بالمقالة، و”لا تؤيد مضمونه، وتعدّه يتنافى مع قيمها ومبادئها”، كما جاء في البيان الذي أصدرته هيئة تحرير مجلة “طلعنا ع الحرية”.

ليس خافيًا على أحد أن الموضوع يتجاوز “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، أو حماية الذات الإلهية، أو الخوف على عقائد المسلمين… إلخ مما ورد في القرار الصادر عن مجلس القضاء الأعلى في الغوطة الشرقية، محكمة دوما. إن الموضوع استغلال للمقالة، بوصفها مناسبة جيدة لاستكمال وضع اليد على كل شيء، وإلغاء أي وجود مختلف. إنه خطوة أخرى على طريق تحقيق السلطة الشمولية، وإن كانت على مساحة حي فحسب.

ليس خافيًا أن الخطوة سياسية، وليست دينية، وتريد أن تعزز الذات الدنيوية المتسلطة، لا أن تدافع عن ذات إلهية ليست في حاجة إلى من يدافع عنها. إنها إجراءات تشبه إجراءات سلطات الأسد في ثمانينيات القرن الماضي، حين ملأت معتقلاتها بكل أصناف المعارضة؛ بدعوى أنها تواجه الرجعية، ممثلة بالإخوان المسلمين، وتشبه أعمالها اليوم حين تزعم أنها “تكافح الإرهاب”، لكنها في الواقع تعزز سلطتها بضرب القوى السلمية والعلمانية قبل غيرها.

قانون السلطات، بوجه عام، أنها لا تلتزم بفكرة المساواة واحترام حقوق المختلفين، إلا حين تُجبر على ذلك، ولا يجبرها على ذلك سوى القوة المضادة. وهذا ينطبق من باب أولى على السلطات التي يرى أهلها أن شرعيتهم مستمدة مما وراء الطبيعة، ومما هو أبعد من مدارك البشر. كيف يمكن لشخص أن يأمن على حياته أو عمله أو نشاطه في ظل جهة صاحبة سلطة، تقول عن نفسها ما يلي: “ونظرًا لما تضمنته هذه المقالة من تعد على حق الله تعالى، والذي تمثله النيابة العامة”؟ كيف لأحد أن يحاجج الجهة التي “تمثل حق الله تعالى”؟ هل يحق لأحد أن يعترض على هذه الجهة دون أن يقع في الكفر؟

حين يكون للطرف المعتدى عليه إمكانية إحقاق الحق، بطريقة ما، يمكن للمعتدي أن ينكفئ عن العدوان. وغير ذلك سيبقى القوي مستبدًا بمن هو أضعف منه، مسوغًا لنفسه بصنوف شتى من القول والحجج الدينية أو الوطنية أو الطبقية أو سواها.

مقالات ذات صلة

إغلاق