مقالات الرأي

من جريدة “الشهباء”… إلى جريدة “جيرون”

مات الأسد عشرين مرة، وفق صحف ومواقع إلكترونية، أغلبها عربية، وفي اليومين التاليين يظهر بكامل صحته أمام كاميرا قناة فضائية غربية. قد تكون المخابرات السورية وراء إشاعة موته؛ بهدف إحباط الأمل عند غالبية الشعب السوري الذي يعدّ رحيله خلاصًا من آفة مزمنة أقضت مضجعه، لكن سريان الخبر الملفق كحريق في غابة، هو مسؤولية الصحافة والمواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي التي نقلته، وأفاضت عليه مقدمات وتحليلات وتوقعات.

لمثل تلك الأخبار يتعرض الجمهور كل ساعة إلى التضليل العفوي تارة، والمقصود تارة أخرى، من خلال أخبار كاذبة، تنقلها تلك الوسائط عن أشخاص مجهولين، بلا مؤشر من نار أو دخان. هذا النوع من الصحافة التضليلية، أو الساذجة، يزدهر في زمن النزاعات والحروب؛ بغية رفع معنويات طرف، وإحباط معنويات الطرف المضاد، لكن الصحافة، بوصفها مفهومًا مهنيًا، تعني نقل الخبر من مصدره عن طريق مراسل موثوق محترف. وفي حال تعذُّر المصدر الموثوق، تلجأ الوسيلة الإعلامية إلى مصادر مختلفة؛ لتتحرى نوعًا من التطابق والتقاطع حول الخبر نفسه؛ لتنشره بعدما تسنده إلى المصادر التي اعتمدت عليها.

في سورية، وخلال سبعة وأربعين عامًا، بدءًا من انقلاب الثامن من آذار/ مارس 1963، لا يمكن للباحث أن يلمح خبرًا واحدًا نُشر بطريقة احترافية، بل إنه سيجد الخبر مسبوقًا ومتضمنا ومنتهيًا بحشوٍ من عبارات المديح أو الإهانة. ثلاث صحف وقناتان تلفزيونيتان وإذاعتان، تلك وسائل الإعلام السورية، بدءًا من عام 1963، ثم ازددنَّ إلى خمس إذاعات، وخمس قنوات تلفزيونية، وجريدة إضافية في السنوات الأخيرة، دون أن يتخذ أيّ منها خطابًا مستقلًا. وتَعَوّدَ المستمع والمشاهد والقارئ السوري أن يُتابع الخبر ذاته، وبالصوغ نفسه من تلك المنابر الإعلامية، مختلفة العناوين، والناسخة للمضمون ذاته؛ حتى التعليق على الأخبار ما يزال يأتي طازجًا من القصر الجمهوري، مثلما الأخبار التي تُعدَلُ قبل أن تُعاد إلى النشر. جميع البرامج والمقالات الرياضية والصحية والاجتماعية والتربوية والترفيهية، وبرامج الأطفال، تخضع للرقابة الدقيقة قبل نشرها، تلك الرقابة التي تحيل الأبيض أسودَ أو رماديًا أو أحمرَ دون أي حساب لمفهوم الصحافة ورسالتها، أو لعقول الجمهور المستهدف، بل إني رأيت -غير مرة- مذيع نشرة الأخبار يُعلن أن الساعة هي السابعة والربع وهو يشاهد عقاربها أمامه تشير إلى السابعة والثلث.

من مهمات الصحافة -أيضًا- التعليم والتثقيف، وتحليل واستقراء المستقبل، إضافة إلى وظيفتها الأساس في رصد الأخبار ونقلها بصدق، وكان مدهشًا ذلك المتحف الثقافي الذي رأيناه في بيت مثقف في دير الزور، وهب حياته لتقصي سِيَر أَعلامِ الفكر والفن. أطلعنا ذلك المثقف على صحيفة رثّة، تكاد تبلى، اسمها “الشهباء”، يعود تاريخها إلى عام 1877، وكان قد أسّسها الأديب الكبير، عبد الرحمن الكواكبي، في ولاية حلب، وكانت من أولى الصحف التي انتقدت انتقادًا مباشرًا مظالم السوريين في العهد العثماني، وانتقدت -كذلك- الوالي نفسه من خلال وثائق تدينه في ظلم وُلاته للناس، وكان صاحبها الكواكبي من الصحافيين الذين أخافوا السلطان عبد الحميد الثاني، خصوصًا عندما طالب بالاستقلال ومقاومة الاستبداد، وقد أُغلقت تلك الصحيفة بعد صدور خمسة عشر عددًا منها. هذا النوع من الصحافة الحرة الصادقة، وتنطبق عليها مواصفات الصحافة الاحترافية، وظهر في سورية قبل 130 عامًا، يعني أنه كان هناك من يقرأ ويُصدّق، وكان هناك من يجرؤ على الكتابة الصادمة للحاكم، حتى وإن كان السلطان عبد الحميد الثاني الذي كان يحكم نصف آسيا ونصف أوروبا.

سوف تتعثر الصحافة الحرة بعد ذلك، وتنتشر صحف ومجلات السلطنة الرسمية الممالئة، إلًا أن صدور الدستور الجديد عام 1908، قوض أركان الحكومة المطلقة، وقد وصف الصحافي والأديب، فخري البارودي، ما حدث؛ فكتب يقول: “بإعلان الدستور، فتح باب الصحافة على مصراعيه، فصدرت في دمشق أول جريدة يومية متزنة ووطنية، هي جريدة (المقتبس) للأستاذ محمد كرد علي، فكانت مجمعًا للعلماء والأدباء والمفكرين من العرب، على اختلاف أفكارهم”.

تمتعت الصحافة السورية في العهد الدستوري الجديد بحريّة لم تكن تتوقعها منذ سنوات طويلة، وقد بلغ مجموع ما صدر من الصحف في كل من دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية ودير الزور منذ عام 1908؛ وحتى إعلان الحرب العالمية الأولى عام 1914، أكثر من مئة جريدة ومجلة، منها صحيفة القبس 1913، والمقتبس 1907، وصحيفة هلال عثماني، وصحيفة حمص 1909، وصحيفة حط بالخرج 1909، ودمشق 1909، وظهرك بالك 1909، موارد الحكمة 1909، الراوي 1909، حمارة بلدنا 1910، وغيرها كثير.

وعلى الرغم من أن كثيرًا من تلك الصحف والمجلات الجريئة، والصادقة، كانت تتعرض للتعطيل من الحكومة الاتحادية، إلا أنها كانت تنجح في العودة بأسماء جديدة، فكانت نهضة صحافية سياسية واجتماعية واقتصادية وترفيهية كبيرة في الأوساط السورية، ظنّ الصحافيون والقراء أنها باقية إلى الأبد. وقد استمرت ناهضة في عهد الملك فيصل، من عام 1918؛ وحتى تأسيس المملكة السورية الأولى، في 8 آذار/ مارس 1920، فكانت صحيفة “لسان العرب” أول صحيفة تصدر في دمشق، في العهد الفيصلي، على يد المفكر خير الدين الزركلي، عام 1918، كذلك صدرت صحيفة الاستقلال العربي، وسورية الجديدة، والحياة، والحسام، وحرمون، وغيرهن كثير من الصحف والمجلات السورية التي حملت نسمات الحرية. دعم الملك فيصل مبدأ الحرية التامة في التعبير عن آراء الكتاب في الصحف التي يصدرونها، أو يكتبون فيها، مشترطًا الصدق والتوثيق؛ ما شجع على إصدار مزيد من الصحف الحرة التي انتشرت في البلاد السورية التي كانت تضم الأردن وفلسطين ولبنان، وأخذت الصحف تتجه إلى التخصص في المجالات العلمية والثقافية؛ بهدف تثقيف الرأي العام السوري، والنهوض بسورية إلى مصاف الدول الأوروبية.

ظلت الصحافة الحرة نشطة لفترة وجيزة، إبان الاحتلال الفرنسي، بقيادة الجنرال غورو الذي اقتحم دمشق عام 1920، لكن الصحافة السياسية كانت تنحو منحى المسالمة؛ لأن الصحيفة التي تتجرأ على النقد كانت تُعطل، كما في العهود السابقة. أما الجنرال ويغان الذي عُين عام 1923 مفوضًا ساميًا، فقد أصدر قرارًا حربيًا يهدد بالحبس وإغلاق الصحف والغرامات المالية، إذا حرَّضت الجرائد والمجلات العساكر البرية والبحرية على الفرار أو العصيان، ونتيجة لذلك؛ ابتعدت معظم الصحف عن الخوض في السياسة، واتجهت إلى الداخل لتتكلم عن شؤونه وشجونه.

ستظل الصحف السورية بعد الاستقلال رهينة مزاج الحكام المتعاقبين بالانقلابات العسكرية؛ حتى تصل ذُروة تألقها في عهد الرئيس شكري القوتلي؛ لتعود إلى التضييق في عهد الوحدة، ثم إلى الانطلاق لفترة سنة ونصف هو عهد الانفصال، ثم لتُحبس في قمقم نظام البعث والأسدين؛ حتى اللحظة. لكن ما يُبشّر بالخير هو بروز مواقع إلكترونية وإذاعات محلية وصحف متواضعة، تمتاز بالمهنية العالية، وكلها ترعرعت في أحضان الثورة، ولعلَّ جريدة “جيرون” تُمثّل حالًا متميزة في تنظيمها ومهنيتها، ويُتوقع لها أن تُشكّل منعطفًا جديدًا معاصرًا في مسيرة الصحافة السورية.

مقالات ذات صلة

إغلاق