كلمة جيرون

افتراضات خلّبية مُشوَّهة

أتحفنا بعض “المعارضين” السوريين، في الآونة الأخيرة، ومعهم بعض القوى السياسية الركيكة، بالقول إن الحديث عن سقوط النظام السوري بات من الماضي، وأنه على المعارضة السورية الاعتراف بذلك وتجاوزه، وعليها التسليم كذلك بأن تنحية رأس النظام “بات كلامًا فارغًا”، وأن غالبية السوريين “أصبحوا في وضع يدفعهم للمناداة بالحرية والعيش الكريم بغض النظر عمن يكون في السلطة”.

ليس من حقّنا أن نصف هؤلاء بأنهم يخونون الثورة والشعب والوطن، وليس من حقّنا لصق صفة العمالة واللعب على الحبال بأي منهم، وليس من حقّنا تسفيه رأيهم (على تفاهته)، فالديمقراطية والحرية التي ثار من أجلها السوريون، تمنع من ذلك، وتضع ضوابطَ لابد من الالتزام بها، إكرامًا للمعاني السامية للثورة.

لكن، في هذا المقام، يحق لنا نتساءل: على أي شيء استند هؤلاء في حسم افتراضاتهم الخلّبية المُشوَّهة، والمشبوهة ربما.

هل يقصدون أن النظام بات من القوة بمكان، بحيث لا يمكن كسره؟ ويتناسون أن الثورة قامت وكسرت أنفته في عزّ قوّته.

أم يعتقدون أن الإيراني بات متغلغلًا في المجتمع السوري لدرجة لا يمكن نزعه منه؟ وهو قادر على توفير استقرار للنظام؛ حتى عودة المهدي المنتظر؟ ويتناسون أن السوريين رفضوا المشروع الإيراني وقاوموه منذ أن بدأ حافظ الأسد يفتح الباب للأفعى، قبل ثلاثة عقود، ولن يتغيروا.

أم يفترضون أن قوة الروسي هي التي ستفرض الأسد للأبد من جديد؟ ولا ينتبهون إلى أن الروسي هذا تائه هذه الأيام، سياسيًا وعسكريًا، ويبحث عن حل يضمن مصالحه الاستراتيجية في المنطقة؛ حتى لو كان القضاء على النظام السوري ورأسه، هو الثمن.

أم يراهنون على أن الميليشيات التي أنشأها النظام، وربّاها ورعرعها ونشرها في كل ركن، هي التي ستضمن ثبات أركانه؟ متناسين أنها مرتزقة فحسب، وثلّة من مجرمي الحرب الطائفيين، من ذوي الروائح الكريهة، بات النظام نفسه لا يأتمن جانبها.

أم يراهنون على أن حب الجماهير للنظام، ورأسه، وأركانه، ورموز استخباراته، وقتلته، وأحذيته العسكرية، هو الذي سيضمن بقاء النظام فوق الرؤوس؟ ويتناسون أن خمسة ملايين سوري فقدوا بيوتهم بسببهم، ونصف مليون أسرة فقدت معيلها، ومليونين فقدوا أطرافهم، وأحد عشر مليونًا تشردوا من وراء جرائمهم.

التساؤلات كثيرة، وجميعها تنتهي إلى محصّلة، تؤكد أن النظام السوري غير قادر على البقاء، حتى دون معارضة، وتؤكد أن تغييره، بل ومحاكمة رموزه، لا يمكن أن تكون “كلامًا فارغًا” إلا في أذهانهم.

وفي المقابل، وبالاستناد إلى حجم المأساة السورية، وكمّية الدمار، وفضائحية أخلاق النظام، وتدني وطنيته، ومستوى انحطاط مرتزقته، وكثرة المتدخلين إلى جانبه، واستعمارية أهدافهم، وكارثية النتائج، يمكن التأكيد أن أي حديث عن عدم حتمية سقوط النظام السوري، أو عن بقاء رأسه وكبار رموزه، هو “كلام فارغ”، بل وتهافت وسخرية، ومشاركة في إثم تاريخي، وترويج لجريمة، يجب أن يُحاسب عليها الجميع، فاعلًا وقائلًا.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق