تحقيقات وتقارير سياسية

“الجامعة” بوابة بغداد إلى إعادة تأهيل النظام السوري

مع بدء التحضيرات للقمة العربية 28، المقررة في العاصمة الأردنية عمان، في 29 آذار/ مارس الجاري، بدأت بعض الأطراف العربية محاولات إعادة نظام الأسد إلى الجامعة العربية، بعد خمس سنوات ونيف من تعليق عضويتها في “جميع منظمات الجامعة”. وظهرت نذر ذلك في الدورة 147 لمجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية التي عُقدت في القاهرة الثلاثاء (7 شباط / فبراير)؛ إذ خصص وزير خارجية النظام العراقي، ابراهيم الجعفري، كلمته لدعوة نظرائه العرب؛ لإعادة مقعد سورية إلى نظام الأسد.

في اجتماعات وزراء الخارجية في القاهرة، خلال اليومين السابقين، قال وزير خارجية النظام العراقي، إبراهيم الجعفري، في كلمته التي القاها باسم بلاده: “يجب أن تتمثل كل الشعوب العربية، ومنها شعب سورية، بتاريخه وبطولاته، في الجامعة العربية، بغض النظر عن الخلافات الموجودة”، وأضاف: “لا يمكن أن نقول أمة عربية، ما لم يكن كل واحد منا يمثل شعوبها جميعًا”.

لم يتطرق الجعفري الى جرائم الأسد، وما سببته من أضرار لسورية والدول العربية، وهي أحد أسباب تعليق عضويته في الجامعة عام 2011، ولكنه طالب بتجاوز “الأزمة”، وقال: “لابد أن نتجاوز هذه الأزمة، وأن تتسع القاعة لكل الفرقاء العرب، ونُسمعهم صوتنا ويسمعوننا صوتهم”.

لم تلقَ دعوة الوزير العراقي تأييد نظرائه العرب، واكتفى الأمين العام، أحمد أبو الغيط، بالرد على الجعفري، في المؤتمر الصحافي الذي عقده في نهاية الدورة، بحضور رئيس الدورة الحالية، الوزير الجزائري عبد القادر مساهل، إذ قال: “الوضع العربي غير جاهز لاتخاذ خطوة في هذا الاتجاه”. ولم تتضمن مشروعات القرارات التي أعدها الوزراء؛ لتُطرح على القادة في قمتهم المقبلة أي مشروع قرار يتعلق بسورية. ولكن الأمين العام لم يغلق الباب أمام مفاجآت، إذ أشار الى أن المسألة “مثارة في كواليس العمل العربي المشترك”.

جرى تعليق عضوية النظام السوري في دورة تاريخية عُقدت منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، ترأسها وزير خارجية قطر الأسبق، حمد بن جاسم آل ثاني، وأيدته أغلبية الأعضاء، ردًا على رفض النظام الالتزام بالمبادرة العربية لحل الأزمة، وتضمن القرار دعوة الدول العربية لسحب سفرائها من دمشق، وفرض عقوبات اقتصادية وسياسية، واعتراف الجامعة بالمعارضة، ودعاها إلى الاجتماع في مقر الجامعة؛ لوضع خطة لنقل السلطة، وكلّف القرار الأمين العام بالتنسيق مع الأمم المتحدة؛ لاتخاذ اجراءات ملائمة لحماية المواطنين السوريين من البطش، ودعا الجيش إلى عدم قتل المواطنين، واشترط القرار عدم اعادة النظام إلى الجامعة قبل التنفيذ الكامل للمبادرة العربية.

كان الوضع العربي والدولي يومئذ مختلفًا، وغالبية الدول تدعم محاسبة الأسد على إفشاله مهمة المراقبين العرب، الذين أرسلتهم الجامعة للاطلاع على الأوضاع، ورفضه وقف العنف ضد المواطنين والإفراج عن المعتقلين. وساعد في صدور القرار أن الشعب المصري كان قد أنجز ثورته بإسقاط مبارك، فيما كان يدير البلاد مجلس موقت متعاطف مع ثورات الربيع العربي، وتهيأ للدورة وزيرا خارجية قويان، هما الأمير سعود الفيصل وحمد بن جاسم، وكان الأمين العام السابق، نبيل العربي، مؤيدًا لتوجهاتهما، وبفضل الثلاثة، تحولت الجامعة شريكًا للأمم المتحدة في جهد حل الأزمة السورية.

أما الآن؛ فالوضع مختلف جذريًا، إذ عادت مصر إلى مرحلة ما قبل ثورة 2011، ويقودها الجنرال عبد الفتاح السيسي المعادي للربيع العربي، ويقاتل في ليبيا؛ لإجهاض ثورتها، وتقارب -كذلك- مع الأسد وحلفائه روسيا وإيران والعراق.

في قمة شرم الشيخ التي عقدت برئاسته، في 29 آذار/ مارس 2015، حاول فتح الباب لعودة الأسد؛ بدعم روسي سافر، لكن السعودية ودول الخليج أحبطت المسعى. إلى جانب مصر هناك مؤشرات قوية إلى دعم الجزائر للنظام السوري، وسياسة لبنانية منحازة إلى نظام الأسد أيضًا، يقودها جبران باسيل، صهر الرئيس ميشيل عون، مدعومًا من “حزب الله”. إضافة إلى أن حكومة العراق باتت أكثر تأييدًا لنظام الأسد وتورطًا في جرائمه، بتغطية إيرانية كاملة. ويمكن في النتيجة الحديث عن محور عربي مؤيد للأسد يضم الدول الأربع، ويمكن إضافة سلطنة عمًان وفلسطين إليها، وتساند هذه المجموعة روسيا التي تورطت أكثر فأكثر في الأزمة السورية منذ تدخلها العسكري، وغدت مسؤولة عن حماية مصالح الأسد على كل الصعيد الدولي، وكان لافتًا أن الحملة الأخيرة للمطالبة بإعادة الأسد إلى الصف العربي، بدأتها موسكو قبل أي عاصمة عربية؛ فوزير خارجيتها، سيرغي لافروف، استغل مشاركته في الدورة الرابعة لمنتدى التعاون الروسي- العربي في أبو ظبي، مطلع شباط/ فبراير الماضي؛ للمطالبة بإعادة النظام السوري إلى الجامعة العربية، وقال: إن “هذه الخطوة تسهم في حل الأزمة”، وأبدى استغرابه من “تعليق عضويتها في الجامعة، وهي عضو كامل العضوية في الأمم المتحدة”!

وكشفت دوائر عديدة أن موسكو مارست ضغوطًا قوية في السرّ، على عواصم عربية لتنضم إلى محور المطالبين بتطبيع العلاقات مع نظام الأسد، وعلى رأسها الأردن التي ستستضيف القمة 28 المقبلة. إلا أن هذا المحور ما زال عاجزًا عن اختراق الجبهة العربية المضادة، التي تقودها السعودية وتضم بقية الدول.

على أي حال؛ بات واضحا انقسام العرب بين محور مضاد لإيران والأسد، ومحور يحاول شق الصف العربي، ومع اقتراب القمة ثمة مخاوف من أن تنحاز الأردن إلى المحور الثاني، بتأثير ضغوط روسية – مصرية من ناحية، واغراءات ايرانية وعراقية من ناحية ثانية، في وقت تعاني تدهورًا اقتصاديًا وتحديًا أمنيًا خطِرًا، وهذا هو سبب القلق من مفاجآت أمام القمة.

ما يحصن الموقف العربي المناهض للأسد أن المؤيدين له يعلمون يقينًا أن السعودية وحليفاتها لن تساوم على مواقفها من الأخطبوط الإيراني، وهي مستعدة لمقاطعة القمة إذا لم تضمن خروجها بقرارات قوية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق