قضايا المجتمع

السوريون يحتالون على التجنيد الإجباري…”فضيلة الفساد”!

استطاع إبراهيم -أخيرًا- الحصول على تأجيل مهلة سفر لمرة واحدة، عبر وسيط في شعبة التجنيد مُطَّلع على كيفية تسيير أمور المطلوبين للخدمة الالزامية. انزاح همّ إبراهيم تسعة أشهر مقبلة، ريثما يتخرج من الجامعة، ويتمكن من بيع أرضه لتوفير مبلغ يساعده في الخروج من البلد: “كلفني التأجيل خمسين ألف ليرة وديعة في البنك لصالح وزارة الدفاع ومئتي ألف للوسيط، لا أعرف إن كان سيوزعها على الشباب، كما قال”. حكايات الشباب مع شعب التجنيد لا تنتهي، يستفيد الشباب السوريون من الفساد أيضًا؛ هربًا من الموت على إحدى جبهات القتال. التأجيلات الإدارية لطلاب الجامعة تأتي غالبًا مع الرفض. إبراهيم وغيره من طلاب الجامعة يستنفدون تأجيلاتهم الدراسية، وليس لديهم سوى فرصة واحدة بتأجيل سفر، لا يعلمون متى تفلت من أيديهم، تتشابه قصص المؤجلين بداعي السفر، موظف في شعبة تجنيد ما يتواصل مع ضابط في شعبة التجنيد العامة في العاصمة، يتولى الضابط التنسيق مع زملائه في قيادة شعبة التجنيد العامة الذين يعقدون اجتماعهم كل شهر مرتين لمراجعة طلبات الشباب السوريين؛ للموافقة على طلبات التأجيل أو رفضها.

تغيير رؤساء شعب التجنيد، بين الحين والأخر، لم يحد من استمرار التأجيل مقابل المال، فهو “باب رزق” لا يتوانى عسكري أو ضابط في النظام من استغلاله. حسين أنموذج لكثير من الشباب الذي لا يستطيع توفير المال اللازم لرشوة الضباط، شخصية حسين الكاريزمية لم تنفعه على أحد الحواجز الطيارة في مدينة جبلة، وسيق إلى تجمع “الدريج” للأغرار في ريف العاصمة. وقال حسين: “بقيت متخلفًا عن الخدمة مدة عام، وعلى الحواجز كنت أدفع احيانًا للعناصر، وأحيانًا أخرى (أشبّح) عليهم، لكنهم اصطادوني هذه المرة في حاجز للشرطة العسكرية”. لا زال تعامل المطلوبين للجندية مع عساكر الحواجز أسهل، بالمقارنة مع عناصر الأمن المنتشرين في مؤسسات ودوائر الدولة، ويشكلون “مصائد” حقيقية غير متوقعة للشبان؛ إذ لا مجال للفرار من داخل مبنى حكومي بعد الدخول إليه.

اعتقد أحمد. ن (شاب ثلاثيني) أن إخراج وثيقة حصر إرث بعد وفاة والده أمر يسير، نظرًا لبعد دائرة نفوس ناحية القطيلبية عن حواجز مدينة جبلة، لكن ما إن طلب من الموظف المسؤول الأوراق المطلوبة للمباشرة بمعاملة حصر الإرث، حتى اقترب عنصر أمن منهما وأخذ هوية أحمد لـ”التفييش”.

مناشدات أحمد للضابط بأنه وحيد لأمه، وعذره حول تأخره في مراجعة شعبة التجنيد؛ بسبب وفاة والده لم ينفعه، فبيان وضعه يجري في فرع الأمن السياسي، كما قال له ضابط الدورية، وأضاف أحمد: “دفعت المال كي أبقى في فرع الأمن، ريثما يقوم ابن عمي بإحضار كتاب من شعبة التجنيد، يثبت أني وحيد ومعفى من الخدمة”. تعرف أحمد خلال مدة توقيفه على عدة شبان موقوفين بداعي الجندية والاحتياط، وتبين له أن حملات القبض على الشباب تتم لابتزاز الشبان ماديًا، مقابل إطلاق سراحهم، بعضهم يقع ضحية أوامر القيادة العسكرية التي تصدر -بين فترة وأخرى- إلى الأفرع الأمنية والحواجز العسكرية تعليمات بضرورة توفير عدد محدد من الشبان، دعمًا للمقاتلين على الجبهات، دون الالتفات إلى حالتهم القانونية، كما حدث قبل أيام من حملة مداهمات في مدينتي جبلة واللاذقية.

“الذي يملك المال لا يخدم جيش بكل الأحوال “. كما قال علاء، خريج علم الاجتماع الذي ينتظر قرار فرزه إلى إحدى جبهات القتال.

ووفقًا لعلاء؛ فإنه خلال دورة الأغرار التي أمضاها في ثلاثة أشهر، لم يتعرف إلى ابن ضابط أو ثري أو مسؤول بين المجندين، فأولئك على الرغم من ورود أسمائهم في أرشيف الذاتية العسكرية والتفقدات اليومية إلا أنهم “مفيشين”. تنعكس هذه الظاهرة على الشباب السوري انعكاسًا كبيرًا، ويعدّها علاء مسوغًا لحالات من الفرار الداخلي التي يقوم بها المجندون خلال إجازاتهم من الخدمة، أو المطلوبون للخدمة من غير الميسورين ماديًا. حماسة علاء للالتحاق بالخدمة الإلزامية، وعدّها “واجبًا وطنيًا “تلاشى بسرعة؛ لغياب “المساواة في الظلم” على حد وصفه، وينتظر الفرصة المناسبة للعودة إلى بيته وإعادة حساباته من جديد.

وسوم: القطيلبية, جبلة, اللاذقية

تعريف: لم تفلح مناشدات أحمد للضابط بأنه وحيد لأمه، ولم ينفعه عذره حول تأخره في مراجعة شعبة التجنيد بسبب وفاة والده.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق