أدب وفنون

مفاتيح في الهواء

عندما تغيرت أصواتنا ونبت تحت آباطنا زغبُ العصافير، فكرنا بمخبأ لرعشاتنا الحلوة، تلك التي لم نعرف اسمها، ولم نفهم لغتها، وقلنا في سرنا ربما سقطت علينا من السماء، علينا نحن فحسب، ولأننا نخاف بحثنا عن قفلٍ ومفتاح.

الآن… لا شيء يمكن أن يحبس الألم، أن يُرجِع الحنين والكسل والحب والفوضى إلى الطريق الأولى. ما كنّا نقفلُ عليه جيّدًا، ونتأكد من إحكام القفل مراتٍ كثيرة، كَبُرَ معنا وعاش، صرنا نراه في عيون غيرنا، بعد أن كنّا غيومًا بيضاء نسرح في المجهول.

أرقب صناديق صغيرة وكبيرة على الطاولة وفوق الرفِّ، لطالما أحببتُ شكلها. في الزاوية المعتمة تتساقط كل تلك الوجوه التي رأيتها في ما مضى، تلك التي لم أستطع أن أخبئ خوفها في أيّ مكان سوى عينيّ.

أنتِ الآن لم تعودي تلك المراهقة الحائرة، تحتفين بدُرجٍ خشبيٍّ صغير، تُقفلينه على أولّ رسالة حب، أول منديل تخافين أن يخدشَ الهواء رائحته، أول بطاقة ملونة لصورة حبيبين أحدهما يحضن الآخر على الشاطئ عند الغروب… أنتِ الآن لم تعودي تلك المرأة البالغة التي استبدلت مفتاح الصندوق بمفتاح بيت، وعلقت على جدرانه صورًا، قلتِ إنها لا تشبهكِ.

أنتِ الآن عارية تمامًا من كل شيء.

تعلمتُ مع زهرة الغاردينيا أن الريح بيتُ أسرار النساء، وأن هذا الكوكب الفسيح الذي يدورُ مشفقًا علينا، لن يستوعب كلّ السكاكين التي تلمع فوق رقابنا.

الحياةُ تبدأ عند المرأة بقفلٍ، ثم بابٍ، ثم مدى واسع تسترخي في أحضانه، وهي ترنو إلى كل المفاتيح التي جمعتها يومًا في حياتها، كيف تلمع وتصير نجمة.

 

قصصٌ تساعدك في الخطأ، كلما رتبتَ خطوتكَ للطريق الصحيح، فهي عاشت في الطريق الصحيحة التي خُلِقت فوجدتها جاهزًة لها، مع إشارات الممنوع والمرغوب قرب خطوتها، وماتت في الطريق الصحيحة التي حُفِرت لغيرها أيضًا.

أشتري شمعًة بيضاء، أضعُها وسط الطاولة ولا أشعلها، هذا ما أحبت أن تفعله دومًا “أ. ر”.

كانت مهووسًة بشراء الشموع البيضاء حصرًا، لم يحدث أن أشعلتْ أي شمعة، أحبت الشموع في صمتها، لم تفكر بقتل الضوء قط، كانت تقول: الضوء حبيب الشمعة.

كذلك الضوء الذي قتلوه في قلبها إلى الأبد، لتموت هي الأخرى بموت ضوئها.

كانت تحب زميلها في كلية الهندسة، درسا وتخرجا معًا، وكانت بينهما شموع كثيرة، عندما وصلا إلى المفرق ذاته، ذاك الذي خافا منه وتجاهلاه طوال تلك السنوات، هناك افترقا، من دون حتى أن يخططا لذلك، كانت تعلم، وكان يعلم، أنَّ القبيلة سترمي جسديهما بالسهام، إن تطاول أحد على الصنم، وفكرّ أن يمر من أمامه دون خشوع.

فكرت “أ. ر” بالهرب مع حبيبها خارج أسوار الوطن الواحد، لكن للحظة، كما يضعف الأحرار أمام قمح بلادهم، سمعت بكاء أمها وصراخ أبيها المتواصل، لتقرر البقاء والمشي بحسب السيرة الصامدة التي يحفظها الجميع عن ظهر قلب، لكن لم يعرف أيُّ أحدٍ، لماذا تشتري “أ. ر” شموعًا كثيرة ولا تفكر بإشعالها حتى هذا اليوم.

 

كلما نظرت إلى لوحة سيلفادور دالي، تلك التي يبدو فيها ظهرُ فتاةٍ ترنو من شبّاكٍ بحريٍّ بستارةٍ رقيقة إلى البحر، أتذكر “م. س”، وصوتُها يتصاعد، ثم يخفت فجأٍة؛ لتدخل في شرودٍ طويل، وكأنّها عادت إلى المعتقل الذي كانت قد خرجت منه منذ سنين.

النظرة المجهولة للفتاة في اللّوحة صوب البحر كانت تشبه شرود تلك المرأة.

مرًة قالت لي:

كنّا أكثر من ثمانين فتاة في زنزانةٍ واحدة، لو استطعتُ أن أنظمَ حتى التنفس لنظمتُه وقتئذ، كدنا نختنق. القمل كان يتمشى بيننا كسجين عاديّ، مثله مثلنا، حاولتُ أن أحمي جسدي بكلِّ طاقتي، حتى أنني مزقتُ كمَّ قميصي وربطته على خصري، كنتُ أخافُ أن يتسلل القمل إلى داخل سروالي، الذي غدا واسعًا عليّ منذ دخولي المعتقل، هناك فحسب… تفكرين بجسدكِ، كما لو كان طفلك.

أيُّ مخبأ أستطيع أن أخبئ فيه هذه القصة؛ كي أنسى نقط العرق على جبهة “م. س”، عندما غيّرت الحديث، وسألتني من أين اشتريتُ غطاء الكنبة الأزرق.

 

لطالما ذكرني الربيع ب “م. ه”، كيف لا، وهي التي نذرت نفسها لزهر الليمون، أريد أن أبعثَ لها سلامًا وقبلة، بل أودُّ أن أحركَ الهواء قليلًا؛ كي تخرج منه تلك الحشرة الصغيرة الحمراء، ذات النقط الدائرية السوداء الموزعة بهندسةٍ رائعة فوق جناحيها، كنّا نسميها أمّ علي، ننبش التراب حتى تظهر، لنخبرها برفق: يا أم علي روحي خدي سلامي لحبيبي، الآن سأخبر تلك الحشرة الخلابة أن توصل سلامي إلى “م. ه”.

أنجبتْ طفلتين وتعلمتْ معهنَّ كيف تصنع ماء الورد وماء الزهر، على أصواتهن الفواحة تحت أشجار الليمون، وفي ليلة معتمة مسكتْ البارودة وهربت بهما إلى قرية أخرى بين الجبال، بعد أن تلقتْ من الضرب مالا يتلقاهُ الحجر من المطر، هناك طلبت الطلاق، وزرعت شجرة ليمون مرًة أخرى، كي تكبر الطفلتين تحت ظلالها.

عندما زرتها في الفترة الأخيرة، كانت سعيدة وهي تدلني على غرف بيتها الذي استأجرته أخيرًا، تفتح الغرف الفارغة، إلاّ من أغراض قليلة، حتى أنها من فرط سعادتها فتحت لي باب الحمام لأرى أنّها صارت تملُك الآن “دوش”، دوشًا صغيرًا لجسدِها المنسيّ.

“م. ه” بيتها الجديد لم يغير في الأمر شيئًا، مازالت شجرةَ ليمونٍ كبيرة، نجلسُ تحتها ونشمُّ رائحة الله في أمومتها.

“س. ب” اسمحي لي أن أكتب جزءًا صغيرًا من تلك الحكاية:

سألوكِ في بلاد اللجوء ماذا كنت تعملين في بلادك، ثم نظرت إلى يديك الجافتين وعروقهما النافرة، وبحثتِ عن منديلٍ تخبئينَ بهِ وجهك ودموعك التي انهمرت فجأًة، وسطَ حيرة اللجنة. تجلس قبالتك، نظرتِ إلى النافذة، كانت نظيفًة جدًّا وليسَ هناك من حاجةٍ إلى تنظيفها مرًّة أخرى، ثم أشرتِ لهم بيدكِ إلى النافذة.

عندما هُجّرتِ من بيتكِ لتعودي إليه خالٍ من أيّ شيء، حتى من حنفيّة المطبخ، قررتِ أن تبدئي وأطفالك على زندكِ وحيدًة بلا أهل، بصحبة زوجٍ قتلته قذيفةٌ قدميه، قررت أن تنظفي البيوت.

قاطع شرودك الطويل الذي وصلتِ به إلى آخر بيتٍ نظفتْهُ يداك، وإلى أكياس الرز والعدس التي غادرتِ بها ذاك البيت، وكانت الأكياس مختومًة بختم منظمة إنسانيّة، أي كانت مخصصًة لعائلتكَ، لكن كما بيعت أغراضُ بيتك لأناسٍ غرباء، أيضًا يذهبُ حقكِ ببساطة إلى أناسٍ غرباء أيضًا، مرًّة أخرى يُقاطعك سؤالُ لجنة بلاد اللجوء: لماذا تركتِ بلادكِ؟

اقرأ رواية وأتخيّل “د. و” البطلة، ربما لأنكِ جئت من قرية بعيدة، حتى الهواء فيها يعرف ماذا طبختْ أمكِ أمس، يعرف عن خالك الأعمى كلّ شيء، وينقل الغبارُ في الوادي أخبارَكم كلّ عصر بين العتبات، كنتم وحيدين. مع القمر والحقل والنهر والغابة، كنتم وحيدين، لم تتقنوا لغة الطبيعة التي تحيطكم بكل هذا الحبّ، كنتم تنظرون في وجوه بعضكم بعضًا، وتقلّدون سيرًا قديمًة، حتى أصبحتم نسخًة واحدًة، وعندما خرجتِ وابتعدتِ بمفردك خارج تلك النسخة، لم تستطيعي البقاءَ وحيدًة مع أولّ عاصفةِ حبٍّ تلهبُ قلبكِ، وقتئذ فكرتِ في الانتحار، ورميت نفسك من الطابق الرابع عشر في المدينة الجامعية، كنتِ في البناء المقابل لسكني، وكنتُ أحبُّ ضحكتك عندما تزرونا، وفي يديها كتابٌ تخرجُ منه وردةٌ حمراء.

أيّ صندوق وأيّ بيتٍ، سيحضنُ بذراعيه كل تلك الوجوه، لقد ضاقت بنا الطبيعة، وبدل أن نكملَ الصورة المفقودة لله على الأرض، قطعنا الشجرة، وبنينا مكانها صنمًا، ندور حوله مهلّلين للطمأنينة الأليفة التي تعودنا عليها حتى القتل والفقر والانتحار.

مقالات ذات صلة

إغلاق