مقالات الرأي

12 ساعة للقتل

“يجب أن تجد سببًا لسجنك، التفكير المنطقي -هنا- لا يفيد”، بهذه الجملة كثف سجين فلسطيني – لبناني تجربة سجناء فرع فلسطين والفروع الأمنية عام 1988، كان قد مضى على سجنه ثلاث سنوات، وبلغ الآن السابعة عشرة من عمره، وكنت في الثامنة والثلاثين في فرع فلسطين، دون أي سبب معروف، ودون أن يقولوا لي لماذا.

عندما أعجز عن التفكير، ويكاد رأسي ينفجر، كنت أقف تحت دوش الماء المثلج، إلى أن أفقد القدرة على الإحساس بجلدة رأسي، كان يخطر في بالي -عندئذ- جلدة رأس الهندي الأحمر التي كان يسلخها الأبيض “المتحضر”، ويتّهم الهندي الأحمر بفعلها.

بعد إحدى هذه النوبات، قال ما قاله الشاب الفلسطيني لي، وأضاف: أنا، قالوا لي لماذا اعتقلوني وأحضروني من طرابلس الشام إلى دمشق الشام؛ كنت أعمل في كراج طرابلس – دمشق ولدًا يبحث عن مسافرين، لقاء عمولة من صاحب السيارة المسافرة، ومن صاحب الكراج، وكان صوتي عاليًا: الشام… الشام… فكانت التهمة “أنني عرفاتي”، أما أنت، يا أستاذ، فعليك أن تجد تهمتك لنفسك وحيدًا، إنك لست صغيرًا، فأنت بعمر والدي، رحمه الله، الذي مات في إحدى العمليات ضد الإسرائيليين، وتركنا للقدر ولاستخبارات العالم.

وبينما كنت أشاهد فيلم “التنفيس”، لم أكن بحاجة إلى تذكّر هذه اللقطة من لحظات السجن؛ كي أعرف أن نظام الأسد جزء من النظام العالمي القذر الذي يجعل موت الإنسان قتلًا أو حرقًا متعة ووسيلة للتنفيس، في الوقت نفسه؛ كي يستمر حكمه، كما في الفيلم الأميركي المشار إليه، والمعروف بـ “American Nightmare”،

بُني الفيلم على فكرة تقول: إن أزمات المجتمع الأميركي متعددة الوجوه، ليس سببها السياسة التي تتبعها النخب الأميركية في إدارة البلد والعالم، وإنما هي أزمات مسؤول عنها الإنسان؛ الفقير، المريض، الحاقد، الأسود، الحسود، الجشع، الكسول، العاطل عن العمل، المجرم، الغريب، ولكي نطهر المجتمع من هؤلاء الناس، يجب علينا أن نقدم القرابين للوحوش التي في دواخلنا، ولو مرة واحدة في العام.

بناء على هذا التصور المرعب للمجتمع، والخلل الذي يعاني منه، أُقر قانون “التنفيس -American Nightmare”، وملخّصه أنه في يوم تحدده الحكومة الأميركية، يحق فيه للناس القيام بأي عمل يرغبونه، دون عقاب، بما في ذلك القتل والاغتصاب والنهب والحرق، وأي شيء يجعل الإنسان هادئًا بعد ذلك، تدوم التجربة 12 ساعة، من السابعة مساء وحتى السابعة صباحًا، الممنوعات هي: استخدام الأسلحة الثقيلة كالمدافع والدبابات والطائرات مثلًا، ولا يحق للناس قتل موظفي الحكومة من الدرجة العاشرة وما فوق، ما عدا ذلك كل شيء مسموح.

الفيلم يُصوّر ما يحدث في حي ثري من أحياء إحدى المدن الأميركية، كاشفًا القناع عن وجه كل القيم التي ينادي بها المجتمع، من تحضّر وإنسانية وحقوق إنسان وتنافس شريف إلخ، المعزوفة المعروفة، نرى كيف أن الإنسان، في غياب القانون، يتحول إلى ما هو أسوأ من الوحوش.

السوري الذي يشاهد الفيلم يعرف أن الفرق بين ما يجري في الفيلم، وما جرى ويجري في سورية خلال ست سنوات، هو أن خيال المخرج الأميركي متواضع أمام خيال الأسد ورجال مخابراته، أو لنقل أن الفرق هو في تجميل التوحش الأميركي أمام عري التوحش الأسدي، وحقيقة أن ما يجري في سورية ليس فيلمًا من أفلام الرعب أو الخيال، وإنما هو حقيقي أسهم في إخراجه وتمويله العالم كله، وما زال يرى في نظام الأسد سدًا منيعًا في وجه التخلف والتوحش الإسلامي، على الرغم من كل ما فعله هذا النظام بالشعب السوري خلال ست سنوات، ولم تكن المعلومات التي تضمنها تقرير “الأمنستي” عن سجن صيدنايا بعيدة، في أي يوم من الأيام، عن متناول أيدي المسؤولين السياسيين والإعلامين في الغرب، ولكن يبدو أن مدة 12 ساعة التي يُلتزم بها في فيلم “التنفيس” الأميركي، لم تنتهِ بعدُ في فيلم “التنفيس” السوري الذي جعلنا نترحم على أفلام ومسرحيات دريد لحام التنفيسية.

لست في حاجة إلى التذكير بأن ما يحدث في سورية فيلم عالمي طويل، الهدف منه كسر شوكة الشعوب التي تحلم بنيل الحرية والقضاء على الاستبداد، ولكن من سوء حظنا، ومن رداءة سياسيّينا، أن الـ 12 السورية قد قضت على سورية تقريبًا ولم تنته بعد.

كان الطفل الفلسطيني السجين في فرع فلسطين مُحقًا، عندما قال: “يجب أن تجدَ سببًا لسجنك هنا، التفكير المنطقي لا يفيد”.

مقالات ذات صلة

إغلاق