مقالات الرأي

أي ديمقراطية يحتاجها السوريون اليوم

تشير وثائق القوى السياسية السورية المعارضة إلى الديمقراطية، وكذلك يتحدث عنها الكتاب والمفكرون السوريون، بوصفها أهم خصائص الدولة السورية الجديدة. غير أن الديمقراطية لا تحمل معنًى واحدًا، لا في مفهومها النظري، ولا في ممارستها العملية. والمفكرون في العصور المختلفة، وفي المجتمعات المختلفة، تناولوا مفهوم الديمقراطية بأشكال ومضامين مختلفة. أما الاختلافات بين نظرية الديمقراطية وتطبيقاتها العملية في التاريخ، فكانت أكثر تفاوتًا وعمقًا.

فقد نشأ مفهوم الديمقراطية في اليونان القديمة، حيث كانت الكلمة تعني سلطة الشعب. وكان أشهر نماذجها التطبيقية ما عرفته أثينا، خاصة خلال القرنين: الخامس والرابع قبل الميلاد. إذ تأسست الديمقراطية على مبادئ رئيسة ثلاثة: المساواة السياسية، أي مساواة جميع المواطنين أمام القانون، وإمكانية اشتراكهم في إدارة شؤون الدولة وفي حكمها؛ والمساواة الاجتماعية، إذ تتكفل الدولة بتلبية الحاجات الضرورية لجميع المواطنين، وتقديم المعونات التي تساعد الناس في المشاركة في الحياة العامة؛ وحكومة الشعب التي تعني أن كل مواطن، مهما كان شأنه، يجب أن يهتم بشؤون الدولة، ويشارك في سياستها.

لكن المشكلة الكبرى في الديمقراطية الأثينية كانت تكمن في مفهوم (المواطنة) نفسه. فالعبيد الذين كانوا يشكلون الأكثرية الساحقة من سكان أثينا لم يكونوا يعدّون من المواطنين، بل لم يكونوا يتمتعون بأي حق سياسي أو مدني. إضافة إلى أن فكرة الحرية التي تُعدّ مركزية في الفكر الاجتماعي اليوناني، كانت مقتصرة على اليوناني الحر.

وكثيرًا ما يقارَن نظام “الشورى” في الإسلام بالديمقراطية، حيث كان يقوم على مبدأي البيعة والشورى، إذ لا بد من أن يحصل الخليفة على موافقة الناس على ولايته (البيعة)، ولا بد له من أن يشاورهم في تسيير أمور دولتهم (الشورى). ولكن خلافات نظرية عديدة ظهرت حول مضمون المفهوم، وجرى القفز عليه وتجاوزه عبر تاريخ الخلافة العربية الإسلامية كله تقريبًا. فقد دارت مناقشات لا حصر لها حول معنى الشورى ومضمونها: هل هي مشورة ولي الأمر للناس جميعًا، أم للخاصة منهم فحسب (أهل الحل والعقد)؟ هل الشورى واجبة دائمًا أم في حالات معينة؟ وهل هناك أحوال تُحلّ ولي الأمر منها؟ وكيف يُختار من تجب مشاورتهم؟ … إلخ. أما في الممارسة العملية، فقد كانت البيعة شكلية في كثير من الحالات، ولم يؤخذ بمبدأ الشورى إلا نادرًا، فإذا أخذ به شمل عددًا محدودًا من الخاصة الذين يختارهم الحاكم نفسه.

تقوم الديمقراطية الغربية في العصر الحديث، نظريًا، على مبدأ سيادة الشعب. أي إن الشعب هو المصدر الوحيد للسلطة السياسية، والشعب -هذه المرة- يعني جميع مواطني الدولة، دون استثناء. والمواطنون جميعًا متساوون أمام القانون، بغض النظر عن الجنس (الرجال والنساء)، أو العرق، أو الدين. وتؤكد هذه الديمقراطية مبدأ فصل السلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، وكفالة القانون للحريات الديمقراطية، وأهمها حرية الضمير (الاعتقاد) التي تقضي بحرية الفرد في أن يعتنق أي عقيدة يشاء، وحرية التعبير التي تقضي بحرية الإنسان في إبداء رأيه بالشكل الذي يشاء. ومن هنا جاءت حريات القول والنشر والتظاهر والتنظيم النقابي والسياسي وغيرها. وتعد الحريات الاقتصادية (الليبرالية الاقتصادية) من الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية الغربية، وتعني حماية الملكية بجميع أشكالها، وحرية ممارسة النشاط الاقتصادي دون قيود، وحرية انتقال البضائع والأموال والأيدي العاملة ضمن حدود الدولة، دون أي عرقلة.

غير أن هذه المبادئ لم تُفرز دفعة واحدة، ولا باتفاق آراء المفكرين والفلاسفة. وفي الممارسة العملية لم تطبق هذه المبادئ إلا بكثير من الصعوبات والإخفاقات، بل إن بعضهم يرى أنها لم تطبق على الإطلاق إلى اليوم. إذ لم تحصل الشعوب على حقوقها الديمقراطية، إلا عبر صراعات مريرة، أريقت خلالها دماء غزيرة في معظم أنحاء العالم الغربي. ولم تتحقق المساواة أمام القانون إلا في تدرّج، وبكثير من التفاوت بين دولة وأخرى (استمر التمييز ضد السود في الولايات المتحدة الأمريكية حتى ستينيات القرن العشرين، وما يزال التمييز ضد النساء قائمًا في بعض الدول الغربية …). لكن المسألة الأهم تكمن في أن المساواة أمام القانون ظلت، إلى حد كبير، مساواة شكلية، ولم تتحول مطلقًا إلى مساواة حقيقية.

لقد أدى تمركز رأس المال، من الناحية العملية، إلى إلغاء أحد أهم مبادئ الليبرالية الاقتصادية ألا وهو مبدأ حرية المنافسة. فرأس المال الاحتكاري الكبير لا بد أن يزيح من طريقه رأس المال الصغير. وهذا يعني أن حق التملك في النظام الرأسمالي يصبح شكليًا. وأن رأس المال الاحتكاري -هذا- لا يسيطر على معظم وسائل الإنتاج فحسب، بل يسيطر على وسائل الثقافة والإعلام والنشر والدعاية، أي: إنه يحتكر وسائل التأثير في أفكار الناس ومعتقداتهم، بل وفي أذواقهم وأنماط حياتهم. وبهذا تصبح حرية التعبير والحريات الأخرى المرتبطة بها شكلية، أو منقوصة على الأقل، بل حتى حق الانتخاب نفسه يغدو شكليًا إلى حد كبير.

وهذا ما استند إليه كارل ماركس عندما دعا إلى القضاء على النظام الرأسمالي، وإقامة النظام الاشتراكي الذي سيحقق، في تصوره، المساواة الحقيقية بين جميع بني البشر. وقد عُرف النظام السياسي الذي طبق فعليًا في الدول الاشتراكية السابقة بنظام (الديمقراطية الشعبية) التي تطبّق وفق آلية خاصة، تضمن وصول ممثلي الطبقات والفئات الشعبية إلى المجالس التشريعية بمستوياتها المختلفة.

لكن الممارسة العملية لم تحقق العدالة الاجتماعية والمساواة الحقيقية بين الطبقات والفئات الاجتماعية، وبين الرجال والنساء، كما دعا ماركس؛ فقد تحولت الديمقراطية الشعبية (أو دكتاتورية البروليتاريا) إلى دكتاتورية للحزب الحاكم، ثم إلى دكتاتورية للمكتب السياسي للحزب، وفي بعض الأحيان تحولت إلى ديكتاتورية فردية للأمين العام للحزب. وصارت الفئات الحاكمة تستخدم نفوذها في أجهزة الدولة لتحقيق المكاسب الشخصية على حساب الشعب الذي يفترض أنها تمثله وتحكم باسمه، فتحولت تدرّجًا إلى طبقة مستغِلة جديدة حلت محل الطبقات المستغِلة السابقة. فضلًا عن حرمان الناس من الحريات الديمقراطية التي اكتُسبت في البلدان الرأسمالية. واستندت الأنظمة الدكتاتورية في البلدان “النامية”، ومنها بلداننا العربية إلى هذه “الديمقراطية الشعبية”؛ لتؤسس لدكتاتوريتها واستبدادها وقهرها الشعوب.

لقد حققت الإنسانية خلال النضال الطويل لشعوبها في الحقب التاريخية المختلفة؛ من أجل الحرية والعدالة والمساواة، عددًا من المكتسبات التي تعد أسسًا مشتركة للأنظمة الديمقراطية كافة، ولا يُعدّ أي نظام سياسي نظامًا ديمقراطيًا في حال غياب أي منها، وهذه الأسس هي: سلطة الشعب، سيادة القانون، المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، التعددية السياسية، فصل السلطات، احترام حقوق الإنسان.

إن المحافظة على كرامة الإنسان، رجلًا كان أم امرأة، طفلًا أم شيخًا، غنيًا أم فقيرًا، جزء لا يتجزأ من حقه في الحياة بوصفه إنسانًا، والاعتداء على الكرامة يعد -اليوم- في قاموس الديمقراطية اعتداء على حياة الإنسان نفسها.

كيف سيصل السوريون إلى إقرار الأسس الديمقراطية المشار إليها؟ بأي آلية؟ وعبر أي مرحلة؟ ووفق أي أولوية؟… ذلك ما ينبغي أن تتضمنه برامج القوى السياسية التي ستتولى قيادة المرحلة الانتقالية نحو بناء الدولة الديمقراطية في سورية.

مقالات ذات صلة

إغلاق