هموم ثقافية

المرأة التي تشنق العالم بجديلتها

يحق للمرأة السورية أن تكون أيقونة عيد المرأة العالمي

 

تقول سيمون دي بوفار “لا يخلق الإنسان امرأة، بل يصير كذلك”. وسيمون دي بوفار في كلامها هذا، تقصد المرأة، بوصفها مفهومًا يدل -في زمانها- على ذلك الكائن الضعيف الأقل قدرة على تحقيق نفسه، وعلى اتخاذ القرارات وتحمل المسؤوليات التي كان المجتمع -في تلك الفترة- يعدّها مسؤوليات كبيرة. تُحمّل سيمون -وهي رائدة حركة التحرر النسائية في عصرها- المجتمع والتاريخ والدين والظلم السياسي المسؤولية الكاملة والمطلقة في تحويل المرأة إلى ذاتٍ تفتقد الثقة والفخر بنفسها، وبجنسها، وبأنوثتها.

اليوم، وبعد أن تظاهرت – في تواصل- المرأة العاملة في أميركا؛ لتحصيل حقوقها في المساواة بالأجور مع الرجال، وفي وجود نظام صحي شامل يشملها، وقد نجحت في ذلك بعد نضالٍ طويلٍ، وبعد أن شاركت المرأة الأوروبية الرجل -أولًا- في الثورة السياسية التي نجحت في فرنسا، وعلّمت المرأة القدرة على النضال؛ لنيل الكرامة والحقوق، وجعلتها -بعد ذلك- تنتبه إلى حقوقها الشخصية المنتقصة، بدأت المرأة بثورتها الحقيقية الخاصة، وبدعم من المفكرين الرجال التقدميين في مجتمعاتهم، وانتصرت فيها؛ ما جعل منظّمات التحرر في العالم تدعو إلى تحديد يومٍ للاحتفاء بالمرأة، فكان يوم الثامن من آذار من كل عام، وبدأت بتطبيقه دول المنظومة الشيوعية، وبعدئذ بات أغلب دول العالم تحتفل في هذا اليوم.

اليوم، وفي الثامن من آذار، يحتفي كل العالم -تقريبًا- بيوم المرأة، وتحتفي المرأة في البلاد المتقدمة كل يوم بذاتها وكيانها، بوصفها امرأةً استطاعت أن تنتزع حقوقها شبه الكاملة، من مساواةٍ كاملةٍ في الحقوق السياسية والاجتماعية والتعليمية، وبوصفها كائنًا يمتلك قدراتٍ مساويةً لقدرات الرجل في التعلم والقيادة، وفي الخَلق والابتكار، وفي القدرة على الاستقلالية، وعلى امتلاك الشخصية القوية والثابتة.

يحتفي هذا العالم بها لما تمتلك، ضمن خصوصية قدمتها لها أنوثتها الغنية بالشحنات العاطفية وبغريزة الأمومة، والعواطف العميقة الناتجة عنها، التي جعلت لديها قدراتٍ إضافية مذهلة على التحمل والعطاء والحب، واليوم يحتفي بها هذا العالم المتحضر أمًا لجميعه، ويعرف –تمامًا- أنها وحدها تمثل الطاقة الحقيقية التي تربّيه. ولهذا؛ صارت المجتمعات تنتج قفزاتها الكبيرة في التقدم في مجال حقوق الإنسان، وفي مجالات الإنتاج والتعليم، بكل ثقة وثبات، متحررة من أهم القيود التي كانت تعرقل أحلامها، وتجعل كل شيء معقدًا وبطيئًا.

لكن المجتمع العربي الذي لم يزل يتخبط في نفسه وفي ظله، ولم يسمح له العالم الذي استعمره في القرون السابقة، ويعمل لإجهاض ثوراته في هذا القرن، أن يكمل خطواته الطبيعية في التطور، وفي فصل الدين عن التشريع، والتحرر من المحرمات الثلاثة: “الجنس والدين والسياسية” التي تخنق فينا أي أمل حقيقي في السير إلى مستقبل واضح، لم تزل المرأة فيه تخوض حروبها في كل جهات القلب؛ فهي تقاتل الفقر الذي يتربص بها في كل زاوية، وتقاتل القمع السياسي الذي تعانيه والرجل، وتقاتل القمع الذي يمارسه عليها رجل مكسور الأحلام ومقموع الشخصية والذكورة، في أنظمة قمعية دكتاتورية، تمتد على طول الخريطة العربية، وتقاتل القمع الذي تحجّمها فيه السلطات الدينية السلفية، وتقاتل الكائن الضعيف الذي لم يزل يسكن فيها.

ولأنها الحلقة الأضعف في مجتمعات لم يسمح لها العالم أن تنتج ثوراتها الفكرية والسياسية، وفي مجتمع لم يزل يعتمد في نظرته إليها، مفهوم العورة الذي تَشكّل منذ آلاف السنين، وفي مجتمعات، كان عليها أن تكون الضحية الأكبر فيه، لقمع الأنظمة الدكتاتورية لثورات شعوبها. وكان على المرأة أن تدفع ذاتها وأنوثتها وأمومتها ثمنًا لثورات يتسابق كل العالم على إجهاضها.

 

اليوم، وبعد ست سنوات من الموت المتلاحق المتراكم الممنهج والعبثي، يحق للمرأة السورية أن تكون أيقونة عيد المرأة العالمي، فهي الأم التي دفنت قلبها مع أولادها تحت التراب، وهي الحبيبة التي دفت حبيها وأنوثتها في قبر بارد، وهي المعتقلة التي عُذّبت بأنوثتها، والتي عُلّقت من قلبها حين عُذّب زوجها، أو قُتل ابنها أمام عيونها، وهي المرأة التي ابتلعها البحر، وابتلع أطفالها، وسقطت جدران بيتها بكل الدعوات التي علقتها عليها، سقطت كاملة فوق رؤوس أطفالها، وهي المرأة التي تجلس الآن في المخيمات تلبس ذلّها، وتحيك من بقايا الحياة ما يبعد البرد عن أطفالها قليلًا، وهي -أيضًا- الأم التي نزح جميع أبنائها، ولم تزل تُعدّ لهم الطعام وتنتظر.

اليوم، وفي يوم عيد المرأة العالمي، صرخة الأم السورية أمام جثة ابنتها الصغيرة، تُعلّق هذا العالم كله، على جديلتها، وتشنقه بها.

مقالات ذات صلة

إغلاق