تحقيقات وتقارير سياسية

كثيرًا ما أسدل الستار قبل أن يُمنحن وسام الصبر والشجاعة

في العاصمة دمشق ترفض نخب سياسية وحزبية واقتصادية أن ترى المشهد على حقيقته، أو أن تسمع صوت الانفجارات المدوية، التي تهز الضواحي القريبة منهم. ويصبح من السهل على أي متحدث، التظاهر بعدم وجود حرب، أو بقرب انتهائها. على الرغم من أن صوت هدير طائرات الميغ 23، وطائرات الهيلوكوبتر، والصواريخ المنطلقة من جبل قاسيون، وقذائف المدفعية، لا ينقطع، ويصمّ آذان المارة في الشوارع.

في قاعة الانتظار في مطار الملكة علياء الدولي، في العاصمة الأردنية عمان، التقيت سيدة دمشقية، تمكنت مع أسرتها، المؤلفة من زوج وثلاثة أطفال، من مغادرة جحيم الأسد للتو، أخرجت هاتفها الذكي من حقيبة يدها، وقالت لي: سوف أريك لماذا تركنا كل شيء خلفنا وهربنا من الجنة التي يتحدثون عنها.

كانت أول صورة عرضتها لفتاة شابة في مقتبل العمر، أشارت إليها بأصبعها: هذه شقيقتي، اعتقلتها مخابرات الأسد في حزيران/ يونيو عام 2014؛ لأنها رفضت أن تنضم إلى زميلاتها في العمل وتنتخب الأسد لرئاسته الثالثة. أمضت نحو ثمانية أشهر قيد الاعتقال، لتخرج فيما بعد كتلة بشرية محطمة، وعلى جسدها آثار تعذيب، يقشعر لها البدن.

ثم أشارت إلى صورة ثانية، لامرأة في الخمسين من عمرها تقريبًا، قالت إنها قريبة زوجي. قُتلت مع اثنين من أولادها، في أثناء القصف الذي تعرضت له مدينة حلب، في الآونة الأخيرة.

أما الصورة الثالثة، فكانت لإحدى قريباتها، ناشطة مدنية، تعمل مع إحدى المنظمات الخيرية، لقيت حتفها شرقي دمشق، بينما كانت تؤدي واجبها الإنساني، عندما قصفت مدفعية النظام المنطقة بوابل من النيران.

مع انتهاء يوم الإثنين 6 ـ آذار/ مارس الجاري، وثقت لجان التنسيق المحلية، مصرع أكثر من 50 سيدة في سورية، خلال الأيام الستة الأولى، لقين حتفهن بنيران “الجيش الحكومي والقوات الحليفة له”. ومن المعروف أنه ليس من السهولة عمومًا، توثيق عدد النساء، اللواتي يسقطن ضحايا، سواء خلال الحرب التي يشنها الأسد ضد المدنيين، أو في سجونه ومعتقلاته السرية. إذ كثيرًا، ما تفشل المنظمات العاملة على الأرض، في الوصول إليهن خلال اشتداد أو استمرار عمليات القصف الجوي والبري. وكثيرًا ما أسدل الستار على نسوة دفعن حياتهن ثمنًا، لبربرية نظام متوحش، ورحلن من دون أن يمنحن وسام الصبر والشجاعة على صدورهن.

خلال شباط/ فبراير المنصرم، قُتلت بحسب “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، 34 سيدة، بمناطق متفرقة من البلاد. وفي كانون الثاني/ يناير الماضي، وثقت الشبكة أيضًا مصرع 37 سيدة، أخرى.

من المهم التذكير -هنا- بأن عدد السيدات اللواتي فقدن حياتهن بنيران قوات النظام، والقوات الحليفة له في ما بعد، منذ آذار/ مارس عام 2011وحتى مطلع العام الحالي، وصل إلى 17538 سيدة، بحسب قاعدة بيانات شهداء الثورة السورية. وحصدت خمس مدن رئيسة الحصة الأكبر، إذ تربعت حلب في مقدمة اللائحة، وبلغ عدد نسوتها نحو 4644 امرأة شهيدة، تلتها ريف دمشق 3376 امرأة، ثم إدلب 2198 امرأة، وحمص 1678 امرأة، ثم درعا 1485 امرأة.

بتغطية أوسع، رصدت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” محصلة أخرى، أضافت إليها جرائم أطراف الصراع ضد النساء، على نحو أكثر تفصيلًا.  مشيرة إلى أن العدد هو 22823 امرأة، 12164 أنثى بالغة، و10659 أنثى طفلة. من بينهن 20287 ضحية قتلت على يد “القوات الحكومية”، فيما قتل العد الباقي، على يد ست جهات أخرى، القوات الروسية 668. تنظيم “داعش” 358. فصائل المعارضة المسلحة 798. تنظيم “جبهة فتح الشام” 74. ميليشيا (الإدارة الذاتية الكردية)59. قوات التحاف الدولي 144 امرأة.

وقال الناشط في إحدى المنظمات الحقوقية، أسعد العجلاني: إن “الانتهاكات التي ارتكبت بحق المرأة السورية، وخاصة تعرضها للقتل، في أثناء العمليات الحربية، والقصف العشوائي، الذي امتهنته قوات النظام، تشكل جرائم حرب يعاقب عليها القانون الدولي. ففي جميع الحروب، يجري تحييد المدنيين، لكن قوات الأسد والقوات الشريكة له، لم تترك هدفًا مدنيًا، إلا واستهدفته، بصرف النظر عن جنسه، ومكان إقامته. وأضاف لـ (جيرون): وفي “المحصلة، تبدو المأساة اليوم، أكبر بكثير مما يجري تداوله. فالإحصاءات التي تتبناها المراكز والمؤسسات المعنية، هي في الواقع، تمثل الحد الأدنى من الوقائع الفعلية، وهناك عوامل كثيرة، حدّت من توصل العاملين في الحقلين الإنساني والإغاثي، لأرقام حقيقية عن حجم الكارثة التي تتعدد وجوهها، ولا تقتصر حقيقة على ضحايا القصف العشوائي لقوات النظام. فلا أحد يعرف ما تعانيه النسوة المعتقلات في سجون الأسد، باستثناء ما يروى على ألسنة النساء المفرج عنهن. فحتى هذه اللحظة، لم يتمكن أي فريق دولي من دخول السجون السورية للاطلاع على ما يجري في داخلها من تعذيب ممنهج، لا يتصوره عقل بشر، وأفظع مما كان يجري في القرون الوسطى بمحاكم التفتيش. علاوة على المعاناة الخاصة بلجوء النساء إلى الخارج، هربًا بأولادهن من الموت أو التجنيد الإجباري، وتعرضهن للعنف، وتعرض حقوقهن لانتهاكات خطيرة في بلدان عربية وأجنبية.. لقد شعرت نساء سورية ـ ضحايا حرب الأسد ومنهن على قيد الحياة ـ بخيبة أمل كبيرة من المجتمع الدولي، ومنظماته، التي فشلت إجراءاتها؛ حتى الآن، في أن تحدث فرقًا على أرض الواقع.

لسنوات عديدة بقيت الأزمة السورية في أعين العالم محكومة بمشهد الموت، على الرغم من قساوته، واستمر الحديث عن جانب حاضر وسط نار تمتد في كل اتجاه. وكان من اللافت أن يغيب عن أروقة المحافل الدولية ما تعانيه المرأة السورية بالذات، تحت سماء مكشوفة، تمطر الموت ـ على غير العادة ـ في فصول السنة الأربعة.

في أوقات النِّزاع تستخدم عادة عبارة “يتأثر الجميع بالعنف” غير أن النسوة على وجه الخصوص يتعرضن لمخاطر أكبر، ولأنواع مختلفة من العنف، كنوع من الضغط المبرمج على الحاضنة الاجتماعية للثورة.

في واحد من تقاليده السياسية، استخدم نظام الأسد، اعتقال النساء والفتيات، وسيلة انتقام وضغط وتأديب متنوعة الأهداف. ووجّه أذرعه الأمنية مع بداية الحراك السلمي لتوقيف الناشطات في أماكن اعتقال سيئة الصيت، وأخضعهن لعمليات تأديب مروعة. وحين تقهقرت سلطته، وتراجعت جغرافيًا، دفع قواته لاستهداف العنصر النسائي في حاضنة الثورة، محاولًا التأثير في مجريات المواجهة، حماية لما تبقى له، بعد أن اندحرت قواته خطوات كبيرة إلى الوراء. وخلال السنوات الست الماضية، بلغت حصيلة النسوة المعتقلات، باستثناء من تعرضن لتجربة الاعتقال لفترة قصيرة، وفق بيانات منظمات غير حكومية، نحو 13920 امرأة. منهن 8413 امرأة اعتقلتها قوات النظام، 8111 امرأة بالغة، و302 طفلة صغيرة. فيما سُجل إضافة إلى ذلك، اختفاء 2418 امرأة قسرًا.  واعتقال 5507 امرأة على يد تنظيمات محلية وميليشيات تابعة للنظام. وسُجل مقتل 55 سيدة تحت التعذيب، 39 منهن داخل سجون الأسد.

وقالت سائحة بارودي، متطوعة في الهلال الأحمر وجمعية الرعاية الاجتماعية بحماة: إنها اعتُقلت في نيسان/ إبريل عام 2014بسبب نشاطها الإنساني. ودامت فترة اعتقالها نحو ثلاثة أشهر تقريبًا. تعرضت فيها لأسوأ أنواع التعذيب البدني والنفسي. وقد تنقلت خلال مدة إقامتها القصيرة، بين ثمانية فروع أمنية، انتهى المطاف بها في فرع فلسطين ـ فرع الموت ـ بدمشق، ثم سجن عدرا.

تروي البارودي، بعض ذكرياتها، قائلة: “كانت رائحة الخمر تفوح من المحققين الذين استجوبوني في فرع فلسطين، حقق ضابط التحقيق معي مرتين لمدة ساعة في كل مرة، في الليل كنا نسمع أصوات ضرب الشباب وتعذيبهم في أثناء التحقيق، وكثيرًا ما كانت رؤوسهم ترتطم بجدار غرفتي”. تابعت: “رأيت الجثث ملفوفة ببطانيات، وشاهدت شعر رأس معتقل ملتصق على أحد الجدران، يبدو أنه من كثرة ضرب رؤوسهم بالجدار علق عليه الشعر. كانت هناك غرفة توجد فيها جثث متفسخة، يضعون فيها المعتقل ويخرجونه بعد أيام وقد أصيب بأمراض في رئته، لونه أصفر وأبيض، من أجل الضغط عليه للاعتراف بالتهم الموجهة له”.

وتصف منظمات دولية، سجون الأسد، بالمسالخ البشرية؛ إذ يمارس ضباطها وأفراد حراستها، عمليات واسعة من العنف الدموي، والعنف الجنسي، والاغتصاب ضد النساء المعتقلات، جزءًا من سياسة حكومية متبعة، تُنفّذ على نطاق واسع، حتى خارج أسوار السجون. وفي المناطق التي تقتحمها قوات النظام وتغادرها المعارضة.

تشير معلومات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إلى تعرض ما لا يقل عن 7686 امرأة لعنف جنسي على يد القوات الحكومية. بينها مالا يقل عن 856 حادثة ضمن مراكز الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية.

وتواجه اللاجئات السوريات في المخيمات، الخطر ذاته، لكن بمستويات مختلفة. وشهدت مخيمات الأردن ولبنان وتركيا، حوادث عدة، عكست بمجملها حقيقة المأساة التي غيرت واقع المرأة السورية. وجعلت 60 بالمئة من النساء اللاجئات يشعرن بعدم الأمان؛ خشية تعرضهن للاستغلال الجنسي، بحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

في يوم المرأة العالمي، يحق للضحايا النساء، وأفراد عائلاتهن، أن يبحثن عن العدالة، وأن يطالبن المجتمع الدولي بتضييق الخناق على الجناة، كي لا يفلتوا من العقاب. فبإفلاتهم قد يتكرر هذا النمط من العنف في كثير من السياقات، ويشيع نموذجًا جرميًا، خارج سيطرة القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق