تحقيقات وتقارير سياسية

8 آذار بين العالمية والبعث القبلي وسؤال المرأة السورية

الدعوة التي وجهتها كلارا زيتكن، رئيسة تحرير مجلة العاملات ـ مساواة ـ التابعة للحزب الاشتراكي الديمقراطي في ألمانيا عام 1906، من أجل الاحتفال بيوم للمرأة، لقيت استجابة من “الأمم المتحدة” في العام 1977، وقررت أن يكون ذلك اليوم في الثامن من آذار من كل عام، وهو ما كان أقره أول مؤتمر للاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي الذي عُقد في باريس عام 1945.

دعوة زيتكن التي توصف بأنها من أقوى النساء اللواتي طالبن بحقوقهن، وكرسن حياتهن من أجلها، جاءت -آنذاك- في إطار احتجاجات نسائية، بدأت في 1856 في مدينة نيويورك، حيث خرجت آلاف النساء إلى الشوارع تعبيرًا عن رفض الأوضاع اللاإنسانية التي كن يجبرن على العمل فيها، وتصاعد تلك الاحتجاجات في عام 1908 من خلال مظاهرات عاملات النسيج في مدينة نيويورك، حملن فيها قطعًا من الخبز اليابس وباقات من الزهر، وطالبن خلالها بتخفيض ساعات العمل ووقف تشغيل الأطفال، إضافة إلى المطالبة بمنح النساء حق الاقتراع.

نضال المرأة من أجل نيل حقها، بوصفها نصف المجتمع، أثمر أمميًا، وخرجت المرأة ولا سيما في الدول المتقدمة، من وظيفة خدمة المنزل وتربية الأولاد إلى انتزاع حقها في المؤسسات والشركات والإدارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في حين يلقي مثقفون تابعون لأنظمة عربية باللائمة على يوم أو عيد كهذا، ويصفونه بأنه يهدف إلى تفكيك بنية المجتمعات العربية، فهو في نظرهم أنموذج غربي مؤامراتي، ويجادلون في نظرية التبعية الاقتصادية، التي من شأنها أن تقود إلى تبعية اجتماعية تؤدي إلى الخضوع والانصياع لعالم الذكورة.

في سورية يتوافق الثامن من آذار/ مارس مع ” ثورة ” حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي استولى به على السلطة، من خلال انقلاب قادته اللجنة العسكرية التي خرج من بين أعضائها حافظ الأسد، وأقصى عددًا منهم ، وانقلب على عدد آخر، ونصّب نفسه زعيمًا أبديًا لا ترثه إلا ذريته، وهو ما كان له، بحيث باتت البلاد قبيلة، يقود مصيرها ويتحكم بإمكاناتها، من خلال فرض ثقافة محركها الأساسي الامتثال للأقوى الأعلى، وتكريس مفهوم وجوب العودة إلى الأصل، وتبني ما تفرضه رؤيته  بالطاعة والقبول، ويحكم ذلك كله منظومة من الترهيب والتخويف من أي خروج منها، مهما كان نوعه عن هذه الأصولية الاجتماعية الهرمية.

الثامن من آذار/ مارس، بعدّه عيدًا لـ “ثورة البعث” أزاح يوم المرأة، بوصفه مفهومًا أمميًا رمزيًا جوهره المساواة في الحقوق، بأساليب مختلفة، ضمنت بقاء النظام كل تلك المدة، فيما جعل مسألة تشكيل المنظمات الشعبية والاتحادات والنقابات المهنية، ومنها “الاتحاد النسائي العام” وتعيين رؤسائها، ليس أكثر من قبائل ارتبطت جميعها بمفهومات سياسية، الهدف منها تطويع المجتمع وحشد مكوناته وتأطيرها بسيطرة أمنية، ومن ثم؛ إفراغ تلك المنظمات من محتواها المهني والاجتماعي، بحيث لا تعبر عن مصالح المنضوين في إطارها، أو تسمح لهم بحرية التعبير والتفكير، بقدر ما تخدم السياسة السلطوية على أساس مفهوم الطاعة والخضوع  “للأكبر” أو الأعلى، وهو النظام.

الترهيب الممارس هو السمة التي كرسها النظام في المجتمع، من أصغر مؤسسة، وهي الأسرة، وانتهاء بأعلى مؤسسة، باستخدام مفردات منها ـ الدين  والعار والعيب ـ  من خلال المؤسسات الدينية التي نصّب زعماء موالين له وأمنيين عليها، والمجتمع والوطن، من خلال المنظمات، زعاماتها الأمن والمخبرون، بحيث ضاعفت من القيود مضاعفة كبيرة، وضغطت على المجتمع،  ولا سيما المرأة باتجاه تقنين السلوك واستلاب حقوقها، وإن خرجت قلة من هذا الإطار فقد تعرضت للنبذ الاجتماعي والاعتقال، فالمرأة لم تحظ بمساحة تمكنها من التعبير عن ذاتها أو ممنوع عليها إبداء موقف في قضايا المجتمع، وحتى  تجاه مشكلاتها هي، فعقل المؤسسة هو المعني بكل هذه الأشياء، وقد اتخذ اشكالًا وأساليب للمعالجة جديدة، فمن المدرسة تبدأ القيود بالتشكل تصاعديًا، بالتزامن مع مفهوم الأسرة والخضوع للأكبر، ومن مناهج التدريس الايديولوجية التلقينية  القومية والتربية الدينية، التي تعمل على برمجة عقل التلميذة بتعاليم ناظمة لحياتها، مع اتباع سياسة الفصل بين الجنسين المعممة في معظم المناطق بلاد.

لم يكن من باب الصدفة أن ينطلق كل من  رئيس مجلس الشعب، هدية عباس، والمفتي أحمد حسون إلى بعض الدول؛ لتسويق سياسة النظام، فهما قد تدربا بعناية زعيمين شكليين لقبيلتين، تخضعان بالمطلق لزعيمهما الأعلى وعناصره الأمنية، وتنفذان أوامره، وليس مهمًا طبيعة دورهما المعروف ضمن البلاد، بقدر الصورة التي يريد النظام إظهارها من خلالهما أمام المجتمع الدولي، فهدية عباس باتت امرأة والمفتي حسون أصبح علمانيًا، والتوظيف السياسي للاجتماعي والديني هو مظهر يراد منه قلب حقائق الجوهر، فامرأة السلطة مكياج نسائي، يخفي حقيقة تعيينها من العقل القبلي ذاته، بانتخابات صورية، مقرر اسم الفائز فيها مسبقًا، مثلما تعيين المفتي، فهي جزء من بنية مؤسسته الأمنية، وأداة ليس لقمع المرأة السورية واستفزاز مشاعرها وتضحياتها فحسب، بل صورة للمرأة “التشبيحية” التي تعمل في إطار نظام الاستبداد ضد حقوق المرأة، وينطلي وجودها في منصب كهذا على كثير من مجموع الرأي العام العالمي.

تغيرت طبيعة الأعباء التي تتحملها المرأة السورية خلال سنوات الصراع الدامي، فيما بدت مع ازدياد الأخطار الكبيرة التي تعرضت، ومازالت تتعرض لها، وكأنها تعيد صوغ ذاتها المجتمعية إلى جانب الرجل، باتجاه نحت ثقافة جديدة بحيث يصح القول بأنها تخوض معركة وجودٍ محركها الرئيس تفكيك الأصولية الاجتماعية المتوارثة، وألقت بظلالها على المجتمع السوري طوال المراحل السابقة.

على الرغم من أن الحرب ضاعفت عدة مرات الجرائم التي ترتكب بحق المرأة، مثل قضايا الإتجار أو الزواج القسري، وتزويج القاصرات والاعتداء الجنسي، والهجرة  والنزوح والحرمان من حق الأمومة الطبيعي، والرعاية الصحيحة، والتهجير، إلا أن المرأة السورية بدأت أولى خطوات التحرر من الخوف، وغيّرت نظرة المجتمع إليها، وخرجت من دائرة الدور التقليدي الذي طالما اضطلعت به زوجة وأمًا وربة منزل، وهي اليوم تصنع المستحيل؛ لتحفظ الأسرة من أي شكل من أشكال الضياع، وما رغبة بعضهن  في الهجرة، أسرةً، نتيجة فقدان الأمان، إلا ضمن حالات تعكس التشبث بثقافة جديدة نحتتها التجربة.

 

هذا المخاض يؤسس لمرحلة تحولات كبرى، على الرغم من الواقع المؤلم، وهو لحظة تاريخية سعى فيها المجتمع إلى تفكيك ثقافة تلك المؤسسات، وإعادة صوغها على أسس حقيقية يتطلب مزيدًا من التكاتف؛ بغية جني ثمار الثورة في الحرية والكرامة وتفعيل رؤية عصرية تحررية تجاه المرأة، أساسها إنشاء مجتمع مدني بمؤسسات أفاقها الأولى الأسرة بشكلها المتحضر المبتعد عن التعصب، والتهريب والتخويف؛ فنحن الآن أمام مرحلة تقرير المصير وتشكيل مجتمع سوري جديد.

ما قامت به المرأة خلال سنوات الثورة مدعاة فخر للمجتمع، كما أن الانجازات التي حققتها في مجالات الإغاثة والإعلام والمشاركة في المظاهرات السلمية، وتقديم الإسعافات، والأدوية، وتعرضها للاعتقال، والقنص، ومواجهتها لأنواع شتى من القمع، شكّل لها خروجًا من السجن الذاتي والأسري والمجتمعي، وانتزعت لنفسها مكانة أساسية في سورية الغد، من خلال تمسكها بحقها في المشاركة الفعلية في صنع مستقبل البلاد، على الرغم من أوضاع الحرب المأسوية، وعلى الرغم من جميع أنواع العنف الذي يستهدفها.

استثناءات الصيرورة التاريخية محكومة موقتًا بالمكان، وقد تجاوزت الزمان الذي بدا في مراحل سابقة يباعد بين ثقافة المجتمعات المختلفة والمنكفئة على ذاتها، بيد أن العوامل المحركة للتغيير الذي يؤدي إلى التلاقي الحضاري، وأهمها تقاطعات التكنولوجيا وثورة المعلوماتية، من شأنها أن تنحت الثقافة الإنسانية بصيغة متقابلة وأقرب إلى التطابق، وما بدا دعوة من خلال رؤية كلارا زيتكن، بوصفها رمزًا للمساواة والمطالبة بالحقوق، يجري بناء مفرداته في المجتمع السوري بناءً عمليًا، وإن كان محفوفًا بالتجربة ذات الخصوصية الدينية والأصولية الاجتماعية المتوارثة، لكن ثمة خطوات سارت عليها المرأة، وإن كانت مؤلمة في البدايات؛ نتيجة الصراع من أجل تفكيك الموروثات، إلا أن أقل ما في إيجابياتها هو السؤال الذي باتت المرأة تطرحه عن دورها العملي، والأهم أنها بدأت بالإجابة عنه بنفسها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق