قضايا المجتمع

“ملتقى حنين”: سوريات يصنعن الأمل

بالخبز والورود خرجت أولى الحركات النسائية من القرن الماضي في الولايات المتحدة الأميركية، بدلالة كبيرة لذلك الشعار الذي رفعنه، وإن كنّ -حينئذ- قد حملن قطع الخبز اليابس تعبيرًا عن الفقر والإجحاف الذي تعاني منه النساء، فإن المعنى قد يُترجم أكبر من ذلك بكثير، لما تقدمه المرأة للمجتمع والحياة، فهي بذات الوقت الذي تعمل فيه وتبني داخل أسرتها وخارجها، وهو ما دلت عليه قطع الخبز، هي أيضًا المدرسة الأولى لأبنائها، عماد المجتمع المقبل، وهو ما تدل عليه الوردة من تعبير عن كمّ العواطف التي تفوح بها، وما تمثله من الحنين، والجانب الإنساني والشاعري مقابل قوة الرجل وعنفوانه.

لم تكن المرأة السورية بعيدة عن الفعل والمشاركة في هموم المجتمع وقضاياه على مدى التاريخ، ليس بدءًا من زنوبيا وانتهاءً بنساء الثورة السورية اللائي ثرن على الطغيان في آذار/ مارس من عام 2011، فآلاف السنين من عمر سورية تحمل أسماء عديدات ممن كان لهن بصمات فيها.

ولأن المرأة هي الحياة، وهي الحنين، عملت مجموعة من النساء السوريات في تكريس حب الحياة وبث الأمل في النفوس، من خلال “ملتقى حنين الثقافي”، وهو مجموعة من السوريات اللاجئات قسرًا، الموجودات في مدينة غازي عنتاب من تركيا، قررّن مواجهة الحرب والألم ومعاناة الشتات؛ لتبقى سورية حاضرة بأفراحها معهن مثلما هي حاضرة بمأساتها.

وقالت السيدة رجاء بنوت، صاحبة مبادرة تأسيس هذا الملتقى إن: “حنين هو مبادرة لتخفيف آلام ذاكرة النساء السوريات التي أصبحت مليئة بالصور والذكريات المؤلمة، ولإعادة الشعور بإنسانيتهن و(سوريّتهن) من خلال غناء التراث السوري، وعقد اللقاءات في ما بينهن، وهو ما قد يساعدهن على تقبل الواقع والاندماج بالمجتمعات الجديدة البديلة، من حلال تجديد طاقة الحياة والفرح لديهن”.

تأسس ملتقى حنين الثقافي بتاريخ ٢٢ شباط/ فبراير عام ٢٠١٥، وكانت البداية مع مشروع “كورال حنين” الذي ضم مجموعة من السيدات بأعمار مختلفة، كان من بينهن عدد غير قليل من النساء المتقدمات بالسنّ؛ ما أعطى الكورال صورة جميلة، تعكس حب الحياة والإصرار على التمسك بها وإظهار الجانب الجميل منها، ففي وقت الحروب والاقتتال، تثبت النساء أنهن صانعات سلام.

جئن من جميع المحافظات، وهنّ يمثلن طيفًا واسعًا من المكونات السورية، وتحولت ورودهن إلى كلمات ونغمات جميلة من التراث السوري، ابتداءً من درعا وانتهاءً بالحسكة، فمن “فوق جسر الرقة” في الشمال السوري، ويا لجسورك يا بلدي التي بات معظمها أثرًا بعد حنين، وجّهن رسالتهن وسلامهن، حين قلن: “لأكتب ورق وارسلك” من السويداء لكل من فارق ذرة تراب من سوريّته، كانت له خلاً وفيًا، فكيف من ترك أهلاً وأبناء وأحبابًا.

أنشدت نساء “حنين” في أكثر من مناسبة، وأثبتن حضورهن وفاعليتهن على أكثر من مسرح ومركز في مدينة غازي عينتاب، وقد شاركن في افتتاح مهرجان للسينما (دوكما) في المدينة، ولقين تفاعلًا واحتفاء كبيرًا من الجمهور السوري والتركي، وعن ذلك قالت السيدة بنوت: “مهرجان سينما دوكما، أول تجربة حقيقية لحنين في مواجهة جمهور تركي، لا يعرف لغتنا، وكان أملنا أن يشعروا بنا من خلال اللحن، وفعلًا تجاوبوا معنا، وقد وصلت رسالتنا… شعب يستحق الحياة والحرية، ويطالب بهما بجميع الوسائل المتاحة”.

ولأن “بكرا” قريب جدًا لناظره المنفيّ عن دياره عنوةً، يتطلع إلى الرجوع الأكيد، كانت لازمة حفلات حنين “أنشودة الحنين” “بكرا منعاود لا تبكي يا عيني” التي تختتم “الحنينيات”، كما أطلقن على أنفسهن، حفلاتهن بها مع غزيرٍ من الدمع على الخدود.

ليست الأغنية العربية هي الوحيدة الحاضرة في الكورال، بشقيها السوري والفلسطيني، فنساء “حنين” يغنين أيضًا باللغات الخاصة بالمكونات السورية غير العربية، كالكردية والسريانية والتركمانية والأرمنية والشركسية والآشورية.

لا يقتصر ملتقى حنين الثقافي على الكورال، فحسب، الذي كان أول النشاطات في الملتقى، لكنه يشمل مشروع التمكين الفكري الذي يساعد النساء في تأهيلهن؛ للمشاركة في بناء سورية الجديدة، وهنا تضيف السيدة رجاء: “أن أهمية ملتقى وكورال حنين تتجلى بحفظ التراث السوري، وتقديم الدعم النفسي للنساء من خلال الغناء، وتمكينهن عن طريق إقامة ورشات عمل ودورات لهن، ونتشارك الخبرات في ما يتعلق بموضوعات مختلفة، تُعنى بالشأن السوري في مجالات الحياة كافة، بما فيها السياسية”.

ويمتد الحنين إلى جميع البقاع التي ينتشر السوريون فيها، فمن قلب أوروبا، من ألمانيا تصدح سوريات أخريات بشوق ولهفة لكل الأماكن السورية، ضمن مجموعتين لكورال “حنين” إحداهما ضمت السوريات المقيمات في برلين، وأحيت هذه المجموعة أمسية في دار للمسنين؛ حيث كان يقيم الدكتور صادق جلال العظم، وعبر عن سعادته بحضورهن بابتسامة لطيفة، حين كان بوضع صحي سيئ قبل رحيله بأيام. كما كان لسيدات “حنين برلين” مشاركات أخرى، منها وقفة تضامنية من أجل ضحايا الاعتداء الإرهابي في سوق الميلاد، ومشاركة في مهرجان الموسم العربي.

أما المجموعة الأخرى؛ فتضم نساء من عدة مدن ألمانية يلتقين ضمن مجموعة حنين ألمانيا، وأحيت حفلًا في اليوم السوري في مقاطعة بون.

يطمح “ملتقى حنين” للانتشار وتشكيل مجموعات في جميع بقاع شتات السوريات، لكن يبقى الهوى سوريًا، أملاً في العودة إلى رياض الياسمين، لتزرع كل سيدة غُيّبت عن ديارها شجرة لوزٍ بيد وياسمينةً باليد الأخرى، لتبقى النساء عنوان الحياة والفرح والسلام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق