أدب وفنون

“نون الثورة”.. ثلاث شهادات عن الكتّابة في زمن الحرب، تحت سقف الخراب

 

  • الروائية مها حسن: الكتّابة في زمن الكوارث هي استمرار الدور الطبيعي للكاتب
  • الشاعرة فاتن حمودي: في زمن الحرب يحضر الحب؛ كي يزيح ستارة الدم عن مشهد بات مرسومًا بأشلائنا
  • القاصة مزن مرشد: حملت المرأة السورية وجع الحرب ووجع الثورة ووجع القمع.

 

للكتّابة الإبداعية حفرياتها في التاريخ/ الساخن/ الجاري، كما كان للكلمة حفرياتها عبر تاريخنا الإنساني الطويل. تاريخٌ أُثقله الطغاة بجحيم أصواتهم المتوحشة في ست سنوات من الموت المعلن، بأسماء نحو نصف مليون شهيد، وملايين المشردين في بلادهم وفي أصقاع الأرض، عدا المفقودين والمعتقلين، ودمار أكثر من ثلثي عمران البلد، والعالم يتفرج على الجريمة بدم بارد وعيون عمياء. وفي زمن يغلي بنيران الحرب التي شنها نظام ضد شعبه الذي ازداد كبرياء وكرامةً وشكيمةً على المستوى الروحي، يصبح الكلام عن دور أبناء الشعب في مواجهة الجبروت البعثي شأنًا يعنينا جميعًا، وليس اقتصارنا اليوم في عيد المرأة العالمي (الذي يوافق يوم الثامن من آذار كل عام)، أن نتحدث عن المرأة التي هي نصف المجتمع –وبخاصة المرأة/ الكاتبة من منظور مناسباتي- وإنما هي محاولة لإعلاء أصوات الضحايا من النساء بأقلام ثلاث مبدعات سوريات كتبنَّ شهادتهنَّ لـ (جيرون)، وهنَّ الروائية مها حسن، والشاعرة فاتن حمودي، والقاصة مزن مرشد. هنَّ اللواتي اخترن الكلمة سلاحًا في هذه المعركة غير المتكافئة بين شعب أعزل يطالب بحريته، وحاكم يرتكب جريمة جماعية تاريخية، تفوق بشاعتها فظاعات النازيين في معسكرات الموت في أوشفيتز، وداخو، زبوخينفالد، وغيرها من معتقلات النازية.

 

الروائية مها حسن

الكتّابة تأسيس لأزمنة مقبلة

لا تحمل الكتّابة عصًا سحرية، تغير المشهد من حرب وكوارث إلى سلام وربيع آمن، لكنها تؤثّر في الوعي، وهذا لا يحدث دفعة واحدة. لنأخذ الآن الكتابات السابقة لنا، لنأخذ الروايات الكبيرة، كـ “الحرب والسلام” لتولستوي، أو “المثقفون” لسيمون دو بوفوار… سنجد أننا اليوم، نستطيع الاتكاء على بعض تلك الأعمال، لفهم ما يحدث الآن.

حين قرأت رواية “سجينة طهران” لمارينا نعمت، انتابني إحساس أنني أقرأ عن أمور تحدث الآن في سوريا، لا في إيران قبل ثلاثين سنة تقريبًا.

هذا أحد أدوار الأدب غير القصدية وغير المرئية في حينه. نحن نكتب لزمن لا نعيش فيه، كأننا نضع عيوننا أمانة في الكتب، عسى تلتقطها الأجيال المقبلة، وترى ما حدث، عبر مناظيرنا نحن… لهذا، الكتّابة في الحروب هي فعل أخلاقي وإنساني، أكثر مما هي فعل إبداعي.

حين كتبتُ روايتي “طبول الحب”، عرفت أنني أرتكب إثمًا ما، ولهذا كتبتُ ورقة عمل طويلة، شاركت فيها في أحد الملتقيات الجامعية المُقامة حول المحور ذاته: (الكتّابة والحروب)، وتحدثت عن: “جُرم الكتّابة في وقت الحرب”.

هذا “الجُرم” الذي ليس أمام الكاتب إلا ارتكابه، لا ليهرب من المشهد أمامه، ولا ليخلق مشهدًا موازيًا، بل فقط ليوثّق بأدواته، للزمن القادم.

لا تغّير الكتّابة هذا الواقع الكارثي، وربما ليست لها جدوى حقيقية، إلا في عالم الكتّابة نفسه. إذ ثمة مسافة كبيرة بين الواقعين، الواقع الحقيقي الملموس والمُعاش، والواقع الأدبي المُتخيّل. تغيير هذا الواقع يحتاج إلى مؤسسات ثقافية كبرى، تعمل بالتوازي مع مؤسسات سياسية، أي تستند تلك السّياسيّة على الثقافيّة، لتشرّع قوانين وأنظمة يمكن للمجتمعات من خلالها أن تتطور.

التغيير يحتاج إلى تراكم ثقافي طويل. لهذا فالكتّابة ليست دائمة ورهينة الحاضر. بل هي تأسيس لأزمنة مقبلة، وهي لا تؤكل أكلها على الفور. الكتّابة بمنزلة بذور صغيرة نطرحها في حقل الحياة الواسع، إلى أن تحصد ثمارها الأجيال المقبلة.

الكتّابة في زمن الكوارث، هي استمرار الدور الطبيعي للكاتب. لا يستطيع أحدنا سؤال شجرة التفاح أو الكرز، كيف تستمر في طرح ثمارها في زمن الحرب، ومن سيأكل من أشجارها، حيث الجثث في كل مكان. هذا سؤال ميتافيزيقي أحيانًا. لأن الشجرة تثمر وتتابع دورها في كل الظروف، حتى لو سقطت كل ثمارها وانطمرت تحت الأرض، ولم يتذوقها إنسان. هذا دورها الصعب، أن تستمر في الأداء، على الرغم من الإبادة حولها.

الكاتبة المرأة تتماهى مع الشجرة، فهي مخلوقة لمنح الحياة، من جسدها، ومن رأسها.

كتابة المرأة في زمن الحرب خاصة، هي فعل أمومي بطريقة ما، فعل تطبيب وعناية ورعاية للعالم، عبر الكلمة، وهو فعل منوط بالكثير من الحزن والقهر، حين ترى حجم الموت حولها، عاجزة عن بثّ الحياة، إلا أنها تتابع نشيد الحياة، ولو عبر (الشلعيات)، ذلك الغناء المؤلم، الذي سبقتنا إليه نساء فلسطين إبان “سفر برلك”، وكانت تشلع القلب، وهذا ما ظهر في روايتي الأخيرة، التي صدرت في الصيف الماضي: كيف يمكن لإحدانا، مواجهة هذا العالم المرعب؟

 

الشاعرة فاتن حموي

نكتب لأن الأوطان تنسب لكتّابها

ما جدوى الكتّابة في زمن الحرب، يحيلني إلى ما جدوى الحياة؟

ما جدوى الكتّابة عندما يصبح الموت أكثر وفرة من الحياة؟

قد لا يصدق بعضهم أن النصوص تعاني من الآلام ومن القهر ومن القتل ومن الأسى والعزلة أيضًا، وأنها تعاني من دم فائض في أغلب ما يكتب اليوم، ولأن حرب الإبادة التي تمارس من قبل النظام السوري ومن يقفون معه، تشكل حلقات بعضها متصل ببعض. كل جثة تمسك بالأخرى وتنزل إلى الأرض في قوافل هائلة.

ما يمارس علينا؛ على إنسان المنطقة، من فعل وحشي حقيقي، هو قمة الاغتراب بل الخروج من الدائرة الإنسانية. في بيتك يأتيك الموت في الطريق في السوق في باطن الأرض، حتى الأموات ليسوا في هدأة -لست أبالغ- أمام حال الاقتلاع التي تمارس على السوري، ماذا تفعل الكتّابة، ماذا يفعل النص، وهل يؤثر حقًا على المتلقي/ القارئ؟ سؤال يفترض أولًا أن يكون القارئ بمستوى النص، أن يكون القارئ بمستوى الوجدان والوعي، وأحيانًا أن يشد النصُّ القارئ إلى سماوات، كي يرتقي بصورة الوجد التي تحملها الكلمات وتلامس الحب فينا.

وكيلا نتحول إلى كتاب مراثي، ولا أتحول إلى كاتبة مراثي على أرصفة المدن، أو في مدينة أعمل وأعيش فيها، مدينة أنتقل بين رملها وبحرها، أصرّ دائمًا على أن يكون الحب هو خيط القصيدة.

في زمن الحرب يحضر الحب كي يزيح ستارة الدم عن مشهد بات مرسومًا بأشلائنا. إن بنية الشعر لا يمكن أن تتكفل بغسل الكلمات من الدم، وتطهير المشهد وعلى الرغم من ذلك ننتصر للحب لأن الحرب تحرق الإنسان فينا، ونطلق الوحش، لأن الحرب تقتل فراشات الحلم، تسحب غابات الجمال والطيور التي خلفها، إلى مقبرة لتدمير البني الأدبيّة والثقافيّة والاجتماعية للشعوب. وهنا أسأل هل تنتصر الحرب؟

ولأنني أكتب الشعر وقصص الأطفال، وبرامج التلفزيون أمضي إلى الحب ومساحة السلام، أخرج من الساعة الخامسة والعشرين أتمسك بطائر الخلاص (الشعر)، لأكون أنا المرأة المحمّلة بألف لون من الاغتراب، بألف لون من الرماد، بالغبار، أتمسك بلون الحب دائمًا والذي يحضر على شكل صورة ذاك الغريب، ذاك البحار، ذاك المطر، أتمسك بخيط الحب، أتمسك بالشعر لأنه نهري إلي، لأنه يمضي بالشام إلى الغد، وكأنه نهر محمول دائمًا إلى المستقبل، أتكئ على صورة مدن الطفولة والشباب، لتكون حاضرة بكل ألق الحب وأصالة الجدات ودندنات العود والغناء، فيحضر البيت الشامي ببساطته، بوروده، بستاتي الشبابيك، بوجه أمي وجدتي، بشجره، النارنج والكباد، وشجرة التوت على طرف البيت، تحضر الأزقة وأبواب الشام التي باتت مشرعة لكل أنواع القتل والدمار، أزحزح الحرب -رغم حضورها- لأشير إلى الحب إلى جسد المرأة المغتني بشغف العشق، الناطر على مفترقات الغياب، المغسل بغبار العزلة. نحن نعيش العزلة، والشعر بلا حدود مفتوح على الزمن والوجع، نضيء في آخر الممر أو منتصفه وأوله شمعة لنمارس الشعر بكل الألق.

حالة الاقتلاع من الوطن، الحرائق، المنعكس الجمعي، الغرق الجمعي، مدن تغرق وتباد، عالم طفولة يتهدد وتتهدد معطياته، الوجداني يتهدد الحب يُلوث وينجرح ويتعرض للموت، هنا أكون أمام ارتطام الوجود، وحتى لا نسقط في العدم، واليأس، أمضي إلى الشعر، الشعر حياة غناء، أنا في جسدي وجنوني، الوطن جسد يحترق، نعيش محرقة، حين يتهدد كل هذا، نصاب بلا شك بلوثة الحرب، نمرض في زمن أصابنا بلوثة الحرب، كل هذا نعيشه بزمن انفتاح الإعلام، العالم يرى كلُّ العالم، العالم يشارك بذبحنا، لا يريدون إيقاف هذا الطاعون، هنا أمضي إلى الكتّابة لأن الكتّابة حياة، الكتّابة مبنيّة على الحب.

ولأن الشعر أغنية حلوة أو مرة ترافق أرواحنا في لحظات، فتحضر الصورة صورة الوجع السوري الكوني، ثم سرعان ما أنزلق نحو الحب لأن الشام تعني الحب، والغناء والياسمين وبردى والفيجة، الكنيسة تعانق المسجد، لأن الشام تعني قاسيون واليرموك بكل زحمة الحياة، وحتى لا نمحى من ذاكرة التاريخ نكتب الوجع، نكتب عزلة الحرب، نكتب لأن الكتّابة هوية، فيقال كاتبة سورية أو شامية، الأوطان تنسب لكتّابها، الكتّابة في اكتشافها المزدوج للذات والعالم، للذات العارفة بكينونتها، وللعالم كيف تتسع صفحاته المختلفة لتحمل الكلام، كلامي أنا، فأكتب “قهوة الكلام”، وأكتب “ديك البراري”، أكتب القاشوش وحمزة الخطيب، أكتب حنظلة لأشير لقاتل البلاد والعباد، أرسم فراشة لتحلق في فضاء الشعر ..

أنتصر للحب والغناء، قال سميح شقير: “وأغني كي لا أموت”.

أقول، ولأن الحياة الأغاني، فأنا أغني للحياة المزمار.

 

القاصة السورية مزن مرشد

الكتّابة لجيل ما بعد الخلاص

ما جدوى الكتّابة؟

الكتابةُ هي حالة فيض من المشاعر وتفريغ لها، سواء كانت مشاعر حب أو ألم. في حالة تجسيد للواقع أو التحايل عليه، وربما الهروب منه أحيانًا.

هي حالة تعبيرية ترسم للآخر -القارئ- خارطة روح.. خارطة تجربة وخارطة حياة..

في الكتّابة تنعتق الروح من أقفالها، تنطلق في عالمها الخاص، تفيض بما في داخلها، ترسم بالكلمات لوحات الحنين والشوق، لوحات الألم والأمل، العزلة والهجر، الفرح والحزن. تجارب ومشاعر وأحاسيس وتراكم كمي معرفي وفكري وعاطفي يسكب على الورق، ليكون حالة من الانصهار بين الكاتب وما يكتبه، بين ما يكبته وما يعلنه، لتعلن القصة أو القصيدة أو حتى المقال، ولادة كائن رمزي مخلوق من حروف، لا يشبه سواه بل يشبه ما بداخل كاتبه.

أما جدواها فالكتّابة كما نقطة الماء النازلة على صخرة، ستحفر -مع الزمن- طريقها في الصخر.

أما عن وضع المرأة:

لم يكن وضع المرأة المبدعة أو إبداع المرأة مريحًا في مجتمعاتنا العربية، لا في فترات الحروب ولا في أوقات الرخاء أو السلام.

كانت المرأة -دائمًا- ذلك المتهم البريء الذي لم تثبت براءته يومًا، فهُمشت وحوربت وأبعدت قسرًا عن ساحات الثقافة والإبداع.

ولم يكن الرجل الشرقي أو المثقف الشرقي -مهما بلغ من سمو المرتبة الأدبيّة- منافسًا شريفًا قط، بل كان -دائمًا- ينظر إلى نفسه بعين الفخر وإلى الكاتبة المرأة بعين الاستعلاء، أو ربما الكبرياء. فالذكورية بقيت هي الأولى في حسابات الوسط الثقافي والأدبي العربي.

من هنا كان على النساء المشتغلات بالأدب والثقافة والكتابة، خوض حروب لا حربًا واحدة، وعلى أكثر من مستوى، وأكثر من جبهة، فكانت في مواجهة البيئة المحيطة التي ما تزال تضع المرأة بمرتبة أقل من الرجل، مهما بلغت من إنجاز وعلى جبهة إثبات الذات في محيط عدائي. وحدها تقف وسط مرمى نيران الجميع، فكان عليها أن تقدم أدبًا مختلفًا متخطية حواجز البيئة والتقاليد والمحرمات أحيانًا. وجبهة أخرى من نوع آخر، تمثلت باتحادات الكتّاب أو المشتغلين بالمهنة، وهي اتحادات مسيطر عليها ذكوريًا من جهة ومن جهة أخرى هي سلطوية تتبع للسلطة شكلًا ومضمونًا، وتسعى لمحاباة أُولي الأمر، ما يجعل المرأة غير المتحابة مع السلطة بعيدة كل البعد عن هذه الأجساد شبه النقابية، ومحط حروب لأعضائها دون أن تدري.

لتدخل ثورات الربيع العربي التي أطلقت لجام الإبداع للجميع. فلم تعد مفاهيم الموروث الاجتماعي وقيوده محط اهتمام في ظل تغيير كلي في أبجديات الحياة اليومية وفي بحر من الدماء طافت فوقه البلاد خاصة سوريا، فبات الإبداع النسوي ضرورة ملحة لمحاولة تجسيد ما تعانيه النساء وما يقع على كاهل المرأة خصوصًا من تبعات الموت والتشرد والتهجير والاعتقال. أعتقد أن المرأة السورية بخاصة، حملت وجع الحرب ووجع الثورة ووجع القمع، حتى بات الأدب هو القناة الأولى والوحيدة القادرة على التعبير الدقيق لما عانته وتعانيه، ولا أقدر على وصف روح المرأة إلا امرأة أخرى.

ومما زاد الطين بلة، وأعادنا إلى دائرة ما قبل القمع السّياسيّ والاجتماعي، هو ظهور الحركات الإسلامية المتطرفة التي تعدّ المرأة بحد ذاتها عارًا، وتنظر لإبداعها من منطق الحرام. هنا أصبح أمام المرأة حرب جديدة وغير متكافئة هذه المرة. ففي حين تستطيع مجابهة الجاهل أو الأمي أو الذكوري أو السلطوي أو السلة نفسها، فإنك لا تستطع أن تجابه مؤمن مقتنع بأنه على حق.

هنا يأتي دور الكتّابة في الكشف والتركيز والاستمرار بالفضح والتكرار، لتصل إلى مرحلة التأثير وإن كان الأمر يتطلب كثيرًا من الوقت. وأنا غير متفائلة بالتغيير الآن، لكنني شبه واثقة بأن التأثير سيكون جليًا في الأجيال المقبلة، أو الجيل المقبل؛ جيل ما بعد الخلاص.

مقالات ذات صلة

إغلاق