أدب وفنون

المكشوف للعتمة

كان جسدًا مكشوفًا للعتمة لم ينضح منه ضوء.

جسد على حافة اليباس، مقشرًا من لدغات الشمس، ومطرح ملائم لاقتراف السواد.

ينسلخ الوقت من نهارها كليمونة، وينسلخ جلد قدميها، فالسير حافية القدمين لا يحمل كلفة إضافية.

تعبر السوق من أوله حتى نهايته، تتسمر أمام واجهات المحلات، تختار فساتين الأعراس البيضاء وتلك مكشوفة اللون، تتعرى بجسد دخل الأربعين، ُتلحّ في طلب واحدًا من تلك الفساتين وتردد بصوت مبحوح يتردد صداه في كل السوق: “يا عيبو شلحت أواعيها” وتقوم بذلك فعلًا.
لا يلبي أحد طلبها؛ فتسرق واحدًا من تلك المعروضة في محلات الثياب المستعملة فلا يردها أحد.

يلقون عليها بالشتائم والمسبّات وتكيّل لهم الصاع صاعين” يا أبناء الحرام”.

تحلب ثدي العالم كي تروي جوع الصغار، جراؤها الصغيرة والعالم جسد من طين، هي شكل من أشكال الطين.

تكررت حلات انتهاك جسدها ومرات حمْلها وانجابها لأولاد، لا تعرف لا هي ولا هم من آباؤهم. يضحكون عليها، وبطريقة ما يستدرجها واحد منهم إلى الخرابة.

حين كانت تحمل لم تكن تنزع ثيابها أبدًا، ولو شدّ أحدهم طرف ثوبها لملأت المكان شتائمًا وبصاقًا، كأنما تداري فضيحة الجسد وتستر أمومة ارغمت عليها، هاربة من أعين شبقة ومتقدة رغبة على الرغم من انتفاخ كامل الجسد.

لمّا القت الشرطة القبض عليها بتهمة التعري وارتكاب فعل فاحش في الطريق، غابت لبضعة أيام عن السوق وحين ظهرت من جديد كانت حليقة الرأس وراحت تنقل ماء في سلة.

من طابقها العلوي وسط السوق كانت الطبيبة النسائية تراها يوميًا، راحت تتعرى على مرأى من الجميع وتبدأ حفلة الصفير والتصفيق فيزداد هياجها وتستمر بذلك حتى لا يبقى ما يستر ذاك الجسد.

وحين تمكنت من الامساك بها ذات مرة راحت تصفعها.

_ ألم اقل لك ألا تعودي إلى هنا!

– ألم أقل لك أن تغلقي ساقيك إلى الأبد، وتصفعها!

قامت بِعضّ الممرضة والطبيبة؛ حتى خرجت قطع لحم بين أسنانها، وأطلقت ساقيها للريح، لكن الطبيبة كانت قد أغلقت الأبواب واستعانت برجلين قاما بتثبيتها، ودست منشفة مغموسة بالمخدر في فمها حتى همدت تمامًا، وخوفًا من مفاجأة ما، قامت بربط ذراعيها وشدّ ساقيها، وبمهارة عارفة بالأمور خاطت رحمها، دافعة بما تبقى لها من حلم أمومي إلى العدم.

لقد أقفلت على بويضاتها وثابرت ليومين متواصلين على العناية بها، وفي أول فرصة سنحت لها هربت من العيادة دون أسف. لكنها عادت إلى الظهور في الشارع وكأن شيئًا لم يكن.

في ما بعد تناوبوا على فضّ جسدها مرارًا وتكرارًا، حتى صبّت زيتًا وأشعلت نارًا أضاءت جزءًا كبيرًا من ذاك المكشوف للعتمة.

مقالات ذات صلة

إغلاق