أدب وفنون

على هامش يوم المرأة العالمي “نقض مركزية المركز”

ظهر مصطلح “النسوية” “feminism” أو الحركة النسوية، نهاية القرن التاسع عشر، على خلفية الثورة الفرنسية وعصر التنوير -وإن لم يكن عصر التنوير فرنسيًا محضًا- وانتشر في البلدان البروتستانتية، أي في أوروبا الشمالية ذات النظام السياسي والاجتماعي الديمقراطيين، وتعثرت في بلدان الكاثوليك. وكانت الحركة تطالب، بادئ الأمر، النسوية بحقوق الأمومة، ثم تحولت تدرّجًا إلى حركة حقوقية شاملة تطالب بالمساواة بين الرجال والنساء، في الحياة العامة، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وكان للفيلسوف ورجل الاقتصاد الفرنسي “شارل فورييه” (1772-1837) الدور الأكبر في وضع اللبنة الأساسية لعمارة المساواة. وتبيَّن لجون ستيوارت مل (1806 – 1873)، وهو من أبرز فلاسفة الحرية في القرن التاسع عشر، أن دفاعه عن الحرية الفردية لا يكتمل إلا بكشف النقاب عن “استعباد النساء”، وتعرية جذوره العميقة الضاربة في مبدأ القوة والغلبة، فقد رأى أن “نظام اللامساواة، الذي يجعل المرأة خاضعة للرجل (لم يكن) نتيجة للتفكير أو التروي أو بعد النظر، أو نتيجة لأي فكر جماعي، عما هو صالح للمجتمع أو لخير البشرية، بل إنه انبثق ببساطة من واقعة أنه منذ الخيوط الأولى لفجر المجتمع البشري وكل امرأة تجد نفسها في حالة عبودية لرجل ما.

وقبل ذلك بقرون، كان ابن رشد (1126 – 1198) يعتقد أن المرأة والرجل يشتركان في النوع والطبع والكفايات الذهنية والعملية Kوإن اختلفت عنه في بعض الخصائص والوظائف. وقد عزا فقيه قرطبة حال التردي التي كانت تعيشها النساء في المجتمع العربي المسلم آنذاك إلى “تصورات خاطئة موروثة من ثقافة قبلية أبوية تحرم المرأة من اكتساب الفضائل والمهارات عبر تجربتي التعلم الجاد والعمل الخلَّاق. وتغيير هذه الوضعية البائسة يقتضي تغيير وتجاوز تلك التصورات الخاطئة والمتحيزة ضد المرأة والتي لا بد أن تورث المجتمع كله الضعف المادي والمعنوي نظرًا لكون النساء يشكلن أغلبية المجتمع”.

وقد عملت كثيرات من المفكرات، نصيرات الحرية والمساواة في الغرب، في تنشيط الحركة النسوية مثل، “جنفييف فرايس” و”سيمون دي بوفوار”، ثم ظهرت نظرية النوع الاجتماعي “الجندر” (Gender) ضمن الحركات النسوية، وهو مفهوم حديث، أو مصطلح حديث، شاع في الأدبيات النسوية أواخر القرن العشرين، وتلقفته الحركة النسوية العربية، ويعني النوع الاجتماعي، مقابل النوع البيولوجي؛ إذ إن المجتمع هو الذي يجعل من الذكر رجلًا ومن الأنثى امرأة، ويحدد، عن طريق التربية والتنشئة الاجتماعية، دور كل منهما ووظيفته ومكانته، وفقًا للحضارة التي ينتمي إليها والثقافة السائدة فيه، وبحسب رأي النسوية الإسبانية “ماري ناش” “لا يكفي الكلام عن النوع للتخلص من النسائية، إن النسائية (“النسوية”) مقولة للتحليل التاريخي، مقولة ليست وحيدة التعريف، بل تعريفها يتنوع حسب المراحل التاريخية والمجتمعات التي توجد فيها” “… وهي حركة دينامية لا تتوقف عن التفكير”.

والجدير بالذكر أن الكتابة النسوية تشكلت قبل ظهور الحركات النسوية بوقت طويل؛ وارتبطت “الجينالوجيا” النسوية الغربية بوضع النساء في تلك الحقبة، وتعتبر “الجينالوجيا” النسوية اللبنة الأساسية للحركات النسوية الحديثة، وهي دينامية وموقتة قابلة للتغير والتجدد في كل لحظة. ومن ثم؛ تحولت الحركة النسائية إلى فلسفة تفكيك هياكل الهيمنة الذكورية، وتبعية المرأة الاجتماعية والاقتصادية للرجل، وتعمل في تفكيك الهرم التراتبي المبني على التكامل غير المتكافئ بين النساء والرجال، بحسب تعبير “ماري ناش”: “النسوية سيرورة مفتوحة لا تتوقف عن التنقيح، بحسب السياق السياسي والتقدم التاريخي للدراسات للنظرية والدراسات النسوية، وتعدّ النسوية والنوع مقولتين للتحليل التاريخي، عمادهما مفهوم السلطة غير المتكافئة بين النساء والرجال، أي على الثنائية: سلطة الرجل وهيمنته / دونية المرأة وتبعيتها”.

من هذا السياق؛ انطلقت سبع عشرة كاتبة من أبرز وجوه الفكر والفلسفة النسوية الغربية، واجتمعن على تأليف كتاب بعنوان “نقض مركزية المركز” الفلسفة من أجل عالم متعدد الثقافات، بعد- استعماري ونسوي”. الكتاب من تحرير “أوما ناريان وساندرا هاردنغ”، ترجمته الدكتورة “يمنى طريف الخولي”، وأصدره “المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت” “سلسلة عالم المعرفة”، العدد 395 ديسمبر 2012.

يقع الكتاب، موضوع هذه الدراسة، في ثمانية فصول، وتصدير للمترجمة، جاء فيه: “تعمل الفلسفة النسوية على فضح ومقاومة كل هياكل الهيمنة وأشكال الظلم والقهر والقمع، وتفكيك النماذج والممارسات الاستبدادية وإعادة الاعتبار للآخر المهمش والمقهور، وصياغة الهوية وجوهرية الاختلاف”.

يعتمد الفصل الأول، المعنون بـ: عولمة الأخلاق النسوية: على فلسفة الأخلاق، والأخلاقيات المندرجة في الممارسات الثقافية، والمترابطة ترابطًا عضويًا مع العوامل الاقتصادية والتاريخية لما بعد الحداثة، ويعتمد أيضًا على تعرُّف الاختلاف والاعتراف به، ويدحض التقابلات الحادة بين سائر الثنائيات، التي تقوم على الإعلاء من قيمة قطب على حساب تبخيس القطب الآخر، بحسب تعبير “نارايان” “الماهوية الثقافية مطابقة لرسم التناقض الحاد بين الثقافة الغربية والثقافة غير الغربية. إحدى صورها تعهد إلى الغرب الالتزام بقيم من قبيل الحرية والمساواة، على الرغم من أمثلة لا حصر لها على القهر وعدم المساواة بين الغربيين” (ص 66-67). ويسعى هذا الفصل إلى الإجابة على الأسئلة المتعلقة بالمفهومات الأخلاقية لدى البشر، كالخير والشر والعدالة والجريمة والخطأ والصواب، وتحويل هذه المفهومات من الفلسفة النظرية إلى التطبيق العملي في التداخل الثقافي بين الشرق والغرب ومعرفة الآخر، وأنه ليس من المحتمل دومًا أن يكون الغرب على صواب والشرق على خطأ، وهذا ما أرسى دعائمه الاستعمار وهيمنته على شعوب العالم الثالث، سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا.

أما الفصل الثاني فيعالج: النسوية وحقوق الإنسان للمرأة والاختلافات الثقافية، كتبته “سوزان مولر أكين”، وتقول فيه: “إن الاعتراف بحقوق المرأة بوصفها من حقوق الإنسان، يعني النظر إلى مؤسسات الأسرة والدين والثقافة أو التقاليد في أضواء مستجدة ..”، يعرض هذا الفصل من الكتاب المفارقة بين النظريات القائمة على حقوق الإنسان، وتشمل النساء، والتطبيق القائم على أرض الواقع في التمييز على أساس الجنس سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا ودينيًا، وتعنيف النساء، الذي لا يزال سائدًا في أكثر المجتمعات تقدمًا. تقول “سوزان أكين في الصفحة 71”: “لا يزال انتهاك حقوق الإنسان للمرأة أمرًا مألوفًا، غير أن الفجوة الواسعة بين إعلان الحقوق والممارسات الفعلية باتت نمطًا شائعًا. … حتى الإعلانات التي تستهدف صراحة حقوق المرأة مثل إعلان عام 1967 وميثاق القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة عام 1979، قد وقعتها بل صدقت عليها حكومات لدول نجد قوانينها أو الممارسات المقبولة فيها أبعد ما يكون عن تنفيذ أحكام هذه المواثيق”.

هذا يعني أن الفلسفة النسوية انطلقت لتقويض المركزية الذكورية، بما تنطوي عليه من تراتبية الأعلى والأدنى التي امتدت في الحضارة العربية من الأسرة إلى الدولة إلى الإنسانية جمعاء، وبحسب تعبير د “يمنى الخولي”. “إن استبعاد المركزية الذكورية هو استبعاد للمركزية الغربية وللاستعمارية والامبريالية والعنصرية، وهي تحرير للشعوب من الهيمنة الغربية” (ص 10).

يتناول الفصل الثالث: الغيرية الثقافية، التواصل العابر للثقافات والنسوية في سياقات الشمال – الجنوب، كتبته أوفيليا شوتا”، التي تقول “يجب أن يتعلم المرء أن الإنسان ليس هو ذاته من دون علاقةٍ بالآخر، وأن مثل هذه العلاقة، في صورتها المثلى، لا ينبغي أن تترصع بآيات الظلم”.

يسعى هذا الفصل إلى تفهم الاختلافات الثقافية في سياق التواصل والحوار بين الشمال والجنوب، أي: التواصل بين أعضاء ينتمون إلى حضارة مهيمنة وآخرين ينتمون إلى حضارة تابعة من خلال البعد الإيجابي والأخلاقي لهذا التواصل، ودحض التمييز الجنسي والعرقي والديني والقومي، من خلال الثقافات العابرة لتلك الحدود النمطية، وتقبل جميع الاختلافات الطبيعية في الجنس البشري. تعبر “شوتا” عن ذلك بقولها: “الآخر هو ذلك الشخص، أو تلك الخبرة التي تجعل من الممكن للذات أن تتعرف على أفقها الخاص بها، بحدوده في ضوء علاقات لا تماثلية مطروحة تحمل معالم الاختلافات الجنسية والاجتماعية والثقافية” (ص 99).

ويناقش الفصل الرابع، الذي كتبته لورين كود: كيف نفكر تفكيرًا عالميًا، توسيع حدود الخيال “إن الشعار “فكر عالميًا وتصرف محليًا” لشعار ملهم للنسوية الغربية، ويمثل تحديًا في الأسئلة الأبستمولوجيا التي يطرحها، إنه وليد التفاؤل واليأس…”. تبحث الفيلسوفة الكندية “كود” منطق الاختلافات الحضارية، لتجعل من العالمي محليًا ومن المحلي عالميًا، وتدحض المركزية الذكورية، التي هي تصنيف بشري على حد تعبيرها، وتقارن بين المنصوص والممارس. واستشهدت على ذلك بالدستور الأميركي الذي تساوي نصوصه بين مواطنيه ومواطناته، في حين تعاني نساء أميركا من ظلم وقهر واستعباد، وتخص بالذكر النساء الكنديات، كأن كندا مصنفة ضمن دول العالم الثالث.

ويسأل الفصل الخامس، الذي كتبته أوما ناريان” عن: ماهية الثقافة ومغزى التاريخ. تلقي الكاتبة الضوء على النساء المهمشات في دول العالم الثالث وأميركا اللاتينية، اللواتي هن إما من عرق مختلف أو طبقة مختلفة، وتعزو هذا التهميش إلى التطور التاريخي للتمييز ضد المرأة، إذ الحركات التحررية للنساء تقتصر على النساء البيضاوات، واللواتي هن من الطبقة الوسطى المرموقة، بوصفهن النموذج القياسي للمرأة. وحسب تعبير الكاتبة: “مثل هذه التعميمات الماهوية تعبر عن المنظورات النظرية والأجندات السياسية، التي تطمس المنظورات والمشاغل السياسية لجحافل النساء اللائي يتم تهميشهن وحصرهن في حدود طبقتهن أو في حدود العرق أو الإثنية أو التوجه الجنسي، … وأن الرابطة بين الأنوثة والمجال الخاص ليست متجاوزة لما هو تاريخي، بل نشأت في سياقات تاريخية معينة” (ص 144)

إنها ليست فلسفة؛ هذا عنوان الفصل السادس، الذي كتبته “أندريه ناي“، وقالت فيه: “صلب ماهية الفلسفة، إعادة ابتكار التفكير الملائم لعالم متغير” العديد من المؤلفات النسوية قادرة على أن تعبّر عن نفسها كونها فلسفة، وما يغيظ كاتبة هذا الفصل عدّ كل ما كتب في النسوية والتعددية الثقافية هو “سياسة” أو علم اجتماع أو غير ذلك، لكنه ليس فلسفة على حد تعبير المفكرين المعارضين للفلسفة النسوية.

تقول الكاتبة في الصفحة 174: “يمكن القول إن صميم أصل الفلسفة يكمن في التشكيك الذاتي والتجديد الذاتي، وهذا منذ أن واجه “سقراط” مزاعم “السفسطائيين” بأنهم يعرفون بوضع بديل أكثر تواضعًا هو “حب المعرفة”. لم تعد الهيمنة الثقافية تجدي في عالم التكنولوجيا وعالم التواصل عن بعد، فالعالم أصبح مدينة ليست كبيرة أمام سكان هذا الكون.

تشاندرا موهانتي وإعادة القيمة لــ “الخبرة”: الفصل السابع، كتابة “شاري ستون- مدياتور”: “أقاصيص الخبرة كانت حيوية في الواقع التاريخي النسوي في العالم الثالث..”. يحمل هذا الفصل تناقضات الكتابات النسوية حول الخبرة “الإمبيريقية” أو الخبرة التجريبية، وهي سرديات ونصوص أيديولوجية، حسب تعبير “جوان سكوت”، لا تعبر عن حالة عامة، إنما هي حالة خاصة محضة، بينما يختلف رأي تشاندا موهاتي” حول هذا الموضوع، فقد وصفت الخبرة بأنها “استجابات إبداعية لتوترات الخبرة المعيشة وتناقضاتها، حينما تكون هذه الخبرة مشروطة بممارسات ثقافية محلية، جنبًا إلى جنب مع العلاقات السياسية والاقتصادية الخاضعة لتنظيم عالمي”. إن نقد الخبرة بوصفها أيديولوجيا ينفي وجود عالم أنتجته قوى اجتماعية بتراكم خبراتها التاريخية، فالخبرة كما الفكر متجددة دومًا وبناءة.

الفصل الثامن والأخير عنوانه: الأمكنة واللغات، التشيكانيات ينظّرون للمذاهب النسوية، كتبته “آيد أورتادو”: “المذاهب النسوية التشيكانية، بوصفها هيكلًا من الأعمال، تتقدم بإطار نظري رائع ينبع منها ليعزز النظرية النسوية ككل”.

تدافع الحركة النسوية التشيكانية عن حقوق النساء المثليات، إلى جانب الحقوق الكاملة للمرأة، وتنطوي على تعارض دائم مع أي حركة تحرر أخرى، لتوطيد مكانتها ضمن الحركات التحررية، وإثبات وجودها، فتعمل بقوة من أجل تفكيك النظام البطركي وهيمنته على النساء. قد أضفى هذا الفصل قيمة جمالية على حركة نسوية غامضة بعض الشيء لدى القارئة والقارئ المهتمين بقضايا المرأة، وعرضت الكاتبة الأسس النظرية التي صنعتها تلك الحركة في التبعية الجنوسية وإرساء أسس أخرى لتحررها، وحسب تعبير الكاتبة: إن الحركة النسوية استفادت من حركة التشيكانيات ودراساتها أكثر مما استفادته من الكتابات النسوية المتنوعة والدراسات التقدمية الأخرى، “يوجد الآن هيكل ضخم من مؤلفات النسوية التشيكانية، ويمكن أن يغذي تنظيرنا لظروف التشيكانيات، وبالمثل تمامًا ظروف النساء جميعًا في الولايات المتحدة الأميركية” (ص 214).

تبعًا لما سبق وللخطوط المستجدة في الفكر الفلسفي الراهن، من قبيل الخطاب والخبرة والتفكيك، فإن الكتابة النسوية لا تتورع عن قلب القديم والحديث/ والحداثي، رأسًا على عقب في سبيل عالم جديد زاخر بالعدالة والمساواة. هنا لا بد من تذكر المفكرات العربيات من أمثال “هدى شعراوي وفاطمة المرنيسي ونوال السعداوي وغيرهن كثيرات من المفكرات، وكذلك المفكرين النسويين والمناصرين للمرأة ممن أغنوا المكتبة العربية بأعمال النسوية العربية. من أمثال “جاد الكريم الجباعي” الذي يرى أن أي امرأة، هي النموذج الكامل للإنسان، لا الإنسان الكامل، وكذلك أي رجل، يعرض في كتابه “فخ المساواة” “تأنيث الرجل.. تذكير المرأة”، صورًا من التبعية والاستعباد في المجتمعات البطريركية والبطريركية الجديدة، لا تقتصر على النساء، وإن تكن آثار التبعية والاستعباد أشد قسوة عليهن، ويرى أن المجتمع الذي لا يضع المرأة في مقام الرجل مجتمع مبتور، يحجل على رجل واحدة، ولا سبيل إلى نهوضه وتقدمه إلا بتفكيك سائر المركزيات، وفي مقدمها المركزية الذكورية، فالمركزيات العرقية والاثنية والقومية كلها ذكورية، ولا تقل خطرًا على الحياة الإنسانية، وأن تفكيك أي منها سيؤدي بالضرورة إلى تفكيك الأخريات.

مقالات ذات صلة

إغلاق