مقالات الرأي

بانتظار يوم المرأة السورية العالمي

عام 1949، خلال العهد القصير الذي عاشه أول انقلاب عسكري في سورية بعد الاستقلال، فُرض اعتماد، وسنُّ قانون مدني لسورية، كان مترجمًا عن القانون المدني الفرنسي، وخلال أحد اجتماعات مجلس الوزراء، عُقد برئاسة قائد الانقلاب، حسني الزعيم، ذلك؛ كي يحلّ محل مجلة الأحكام العدلية، عثمانية الأصل، وكانت بمنزلة قانون مدني، صيغت موادها انطلاقًا من أحكام الشريعة الإسلامية، وفق المذهب الحنفي خصوصًا. وعلى الرغم مما تضمنه القانون المدني المترجم من مواد لا تمكن الاستفادة منها، أو تفعيلها في المجتمعات العربية، إلا أن القوانين الأخرى، الجزائية أو التجارية، أو الخاصة بأصول المحاكمات، وتوالت منذ بداية الخمسينيات من القرن الماضي؛ لاستكمال مجموعة قوانين ضرورية لسير العدالة، فقد جاءت منسجمة لا في صوغها المستوحى من القوانين الأوروبية الحديثة في مجالها فحسب، وإنما مع روح العدالة في أكثر أثوابها انسجامًا مع مفهوم الدولة الحديثة التي كان السوريون يحاولون بناءها.

وحده قانون الأحوال الشخصية خرج عن هذا المفهوم، ليس من حيث مصادر الأحكام التي اعتمدها في مواده فحسب، بل -كذلك- في تثبيت أوضاع تقليدية كانت سارية طوال الفترة العثمانية من تاريخ سورية، ولم يطرأ عليها أي تغيير خلال فترة الانتداب؛ هكذا بقيت إدارة أحوال السوريين الشخصية وكأن شيئًا لم يتغير في عالمهم، سواء قبل القانون الذي اعتُمد عام 1953، أو بعد الذي اعتُمد عام 2009، ولم يتضمن أي تغيير جذري في الأساس، بالموازنة مع القانون السابق عليه.

أُنجز هذا الوضع القانوني الغريب في سورية في ظل الحكومات التي جاءت بها الانقلابات العسكرية المتوالية بين عامي 1949 و1954، ولم يشذ عنها الحكم العسكري الذي بدأ فعليًا عام 1963، وثُبّت عام 1970 بانقلاب آخر باسم “الحركة التصحيحية”؛ فقد سار على النهج نفسه الذي شقت طريقه العقلية العسكرية التي استطاعت، منذ البداية، أن توحي بدولة، ظاهرها حديث مثلما يتجلى في القانون المدني وقانون العقوبات وأصول المحاكمات، في حين أن عمودها الفقري، الاجتماعي والسياسي، يتجلى في قانون الأحوال الشخصية (في صيغته الصادرة عام 1953، وفي صيغته الجديدة الصادرة عام 2009) الذي أبقى القديم على قِدَمِه في جوهر مفهوماته؛ فالقواعد المستمدة من “الشريعة الإسلامية”، أي: من الأحكام الفقهية المستنبطة من القرآن والسنة، كما عرفها العالم الإسلامي في القرن الثامن الميلادي، تطبق على المسلمين، في حين تطبق على الطوائف المسيحية واليهودية ما لدى كل طائفة منها من الأحكام التشريعية الدينية الخاصة بها.

لا يخفى، في الحقيقة، معنى غياب أي تجديد في النظرة إلى مكانة المرأة في المجتمع السوري الحديث ضمن القانون الناظم للأحوال الشخصية في سورية، سواء في إطار وجودها ودورها في الخلية الاجتماعية الأولى، الأسرة، أو عبر الاعتراف بمساواتها للرجل في إطار الحقوق المدنية والحريات في مجالات الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية. ومن هنا، بعد أن صدرت عن منظمة الأمم المتحدة في نهاية عام 1979 اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وبعد فتح باب التوقيع عليها أمام الدول الأعضاء بدءًا من أول آذار/ مارس 1980، لم يكن غريبًا -والحال هذه- ألا يبادر النظام الأسدي في سورية إلى المصادقة عليها، إلا بعد مضيِّ ربع قرن على اعتمادها، أي: في 28 آذار/ مارس 2003. ولم يكن غريبًا -كذلك- ألا تأتي هذه المصادقة كاملة، وأن تكون شكلية لذر الرماد في العيون، وعرجاء في واقع الأمر، حين رافقتها تحفظات، تكاد تلغي معانيها الجوهرية، وتنسف بعض أهم الغايات المتوخى تحقيقها من التوقيع عليها وعبر الالتزام بتنفيذ موادها.

وهي تحفظات تناولت مواد أساسية في الاتفاقية، كالمادة الثانية بكامل فقراتها مثلًا، وتنصُّ على ما يكاد يؤسس جوهر وغاية الاتفاقية معًا، وتقرر أن: “تشجب الدول الأطراف جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وتوافق على أن تنتهج، بجميع الوسائل الملائمة، ودون إبطاء، سياسة القضاء على التمييز ضد المرأة..” وهو ما يقتضي من الدول الموقعة أن تتعهد بــ:

“أ – “تجسيد مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في دساتيرها الوطنية أو تشريعاتها الملائمة الأخرى. ب – اتخاذ الملائم من التدابير التشريعية، وغيرها، بما في ذلك ما يقتضيه الأمر من جزاءات لحظر كل تمييز ضد المرأة. ج – إقرار الحماية القانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل، وضمان الحماية الفاعلة للمرأة، عن طريق المحاكم الوطنية ذات الاختصاص، والمؤسسات العامة الأخرى، من أي عمل تمييزي. د – الامتناع عن الاضطلاع بأي عمل أو ممارسة تمييزية ضد المرأة، وكفالة تصرف السلطات والمؤسسات العامة بما يتفق وهذا الالتزام؛ هـ – اتخاذ جميع التدابير الملائمة للقضاء على التمييز ضد المرأة من جانب أي شخص، أو منظمة أو مؤسسة. و – اتخاذ جميع التدابير الملائمة، بما في ذلك التشريع، لتعديل أو إلغاء القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات القائمة التي تشكل تمييزًا ضد المرأة. ز – إلغاء جميع أحكام قوانين العقوبات الوطنية التي تشكل تمييزًا ضد المرأة”.

لكن التحفظات تمسُّ -أيضًا- حقوقًا أخرى، مثل حق المرأة المساوي لحق الرجل في ما يتعلق بجنسية أطفالها (الفقرة 2 من الماد 9)، أو أن يكون للمرأة وللرجل الحقوق نفسها في ما يتعلق بالقانون المتصل بحركة الأشخاص وحرية اختيار محل سكناهم وإقامتهم (الفقرة 4 من المادة 15)، وكذلك الفقرة الأولى من المادة 16 الخاصة بالحقوق المتعلقة بالزواج والعلاقات العائلية، ولا سيما منها الفقرات (ج) التي تنصُّ على منح الحقوق والمسؤوليات نفسها في أثناء الزواج وعند فسخه، والفقرة (د) الخاصة بحقوق المرأة والرجل، بوصفهما أبوين، بغض النظر عن حالتهما الزوجية، في الأمور المتعلقة بأطفالهما، على أن يكون لمصلحة الأطفال الاعتبار الأول، والفقرة (و) الخاصة بالمساواة في الحقوق والمسؤوليات، المتعلقة بالولاية والقوامة والوصاية على الأطفال وتبنيهم، أو ما شابه ذلك من الأعراف، حين توجد هذه المفهومات في التشريع الوطني، وفي جميع الأحوال، يكون أيضًا لمصلحة الأطفال الاعتبار الأول. ومسَّت التحفظات الفقرة الثانية من هذه المادة (16) الخاصة بألا “يكون لخطوبة الطفل أو زواجه أي أثر قانوني”، وأن “تتخذ جميع الإجراءات الضرورية، بما في ذلك التشريعي منها، لتحديد سن أدنى للزواج ولجعل تسجيل الزواج في سجل رسمي أمرًا إلزاميًا”.

تناول هذا التحفظ أخيرًا الفقرة الأولى من المادة 29، وتنص على أن “يعرض للتحكيم أي خلاف بين دولتين أو أكثر من الدول الأطراف حول تفسير أو تطبيق هذه الاتفاقية ولا يسوى عن طريق المفاوضات، وذلك بناء على طلب واحدة من هذه الدول. فإذا لم تتمكن الأطراف، خلال ستة أشهر من تاريخ طلب التحكيم، من الوصول إلى اتفاق على تنظيم أمر التحكيم، جاز لأي من أولئك الأطراف إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية، بطلب يُقدَّم وفقا للنظام الأساسي للمحكمة”.

باستثناء هذا التحفظ الأخير، واضح أن التحفظات الأخرى ذات علاقة مباشرة بكل ما يؤسس قانونًا في سورية لوضع المرأة في الأسرة وفي المجتمع، على صعيد المساواة بينها وبين الرجل في الحقوق وفي المسؤولية، وعلى الصعد -كافة- التي لا تتعلق بقانون الأحوال المدنية على أهميته، فحسب، إنما تتعلق بالدستور وبجميع القوانين الأخرى التي يفترض بها تفعيل المبادئ الدستورية على أرض الواقع. ذلك ما تلافت السلطة الأسدية خلال خمسين عامًا أن تقترب منه، على الرغم من مزاعمها المختلفة حول علمانية الدولة، واكتفت في الصيغة الجديدة لهذا القانون التي صدرت نهاية عام 2009 ببعض التعديلات الشكلية التي لا تغير شيئًا في الجوهر.

هذا جانب من الواقع السياسي والاجتماعي الذي فرضه النظام الأسدي على السوريين، وأتاحت ثورتهم الكشف عنه والتنديد به؛ يداري المنافقين من كهنة الإسلام المعاصرين، ويُسَوَّق نفسه لدى الغربيين بوصفه كبير دعاة العلمانية في العالم العربي!

لن يعني، والحال هذه، الاحتفال بيوم المرأة العالمي شيئًا للمرأة السورية مادامت التحفظات الموضوعة باسم سورية على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة قائمة، أي: ما لم تقم السلطة السورية المقبلة، ويفترض أن تتحمل أعباء إعادة بناء الدولة السورية الحديثة، بإعادة النظر فيها، ورفع تحفظاتها والالتزام بتنفيذ موادها من دون أي تحفظ.

عندئذ سيصير يوم المرأة العالمي يوم المرأة السورية بامتياز.

مقالات ذات صلة

إغلاق