سورية الآن

“ثورة” 8 آذار سبقت الأمم المتحدة

في الثامن من مارس/آذار يحتفل العالم باليوم العالمي للمرأة، الكائن اللطيف الذي يحمل، في أعماقه، سر الخصوبة والنماء الذي يتعرّض، منذ لحظة تاريخية ما، حدث خلالها تحوّل غير ملحوظ، أدى إلى إزاحتها عن عرش الألوهة، لتصبح كائنًا تابعًا يدفع ثمن خطيئةٍ فبركها الخيال الذكوري، وجعلها تدفع الثمن إلى اليوم.

صحيح أن الباحثين اختلفوا حول نواة فكرة اليوم المرصود للمرأة عالميًا، فمنهم من قال إن النساء العاملات في مدينة نيويورك في قطاع النسيج خرجن للتظاهر بعد محاولاتٍ عديدة سبقتها قمعت بعنف، وكن حاملات الورود والخبز، واتخذن من الكلمتين: “خبز وورود” شعارًا لاحتجاجاتهن، طالبن خلالها بمطالب تجعل مساهمتهن في العمل تجري في ظروف أكثر رحمة وإنسانية لهن ولأطفالهن. حدث هذا في الثامن من مارس/آذار 1908. بعدها اتسعت رقعة المناصرين والمؤيدين لحركة النساء، واعتبر هذا اليوم تخليدًا لتلك الذكرى، ويومًا مرصودًا للمرأة ونصرتها.

تقول الرواية الثانية إن تخصيص هذا اليوم للمرأة والاحتفال به مناسبة عالمية حدث بعد عقد أول مؤتمر للاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي في باريس عام 1945. في الحالتين، يمكن اعتبار أن أي فكرة أو مفهوم تصل إليه البشرية هو نتيجة عمل تراكمي، وتفاعل بين الشعوب والثقافات، ولا بد أن حركة النساء الأميركيات ساهمت في دفع النساء الأوروبيات إلى التحرك في الاتجاه نفسه، حتى جاء إقرار الأمم المتحدة هذا اليوم يومًا عالميًا للمرأة في 1977، وصار مناسبة تشترك معظم شعوب العالم وأنظمته في الاحتفال بها، وهناك دول كثيرة تعتبره عيدًا وطنيا، تمنح شعوبها عطلة فيه.

في سورية، كان حزب البعث سباقًا في احتكار هذا اليوم، بعد أن صنع “ثورته” المجيدة التي
لم تُرق فيها دماء الشعب، ولم تُدمر البنى التحتية أو المدن والقرى، ولم يهجر سكانها، ولم تكن قوارب الموت التي تنقل المغامرين بأحلامهم المقامرين بحياتهم من أجل لحظة أمان ولقمة رمق لأطفالهم، قد صارت نشاطًا يستثمر بأرواح المظلومين، ولم تكن “الرجعية” التي جاء الحزب الانقلابي التقدّمي للقضاء عليها قد نبتت أنيابها بعد، أو سنت سكاكين الذبح الحلال، لتقطع رؤوس من يخالفون شريعتها. ولم يكن العالم كله يظهر نواياه الخبيثة تجاه شعبنا، حيث كان العدو الأوحد الذي رصدت له طاقات الشعب هو العدو الصهيوني الذي اغتصب فلسطين، ودفعنا إلى الهزائم المتلاحقة، وصار قلب سورية لا ينبض إلا بالعروبة ولها، قبلته فلسطين.

كان هذا في الثامن من آذار من عام 19633، لم تنزف سورية دماءها، فالأمر لم يتعدَّ أن استولت مجموعة من الضباط على الحكم بانقلاب عسكري، سُمّي “ثورة”، واستلم السلطة فيها حزب نصّب نفسه قائدًا للدولة والمجتمع، قضى على الحياة السياسية، ثم لتأتي الحركة التصحيحية المجيدة، وتقوّم الاعوجاجات، فترتهن البلاد إلى حقبةٍ كانت الحياة فيها تستنقع حدّ استنقاع الأحلام والعقول.

تنص المادة 455 في الدستور السوري: “تكفل الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع”. يُفهم من هذه المادة أنها تضمن تحرير المرأة وإزالة كل العوائق التي تمنع من مشاركتها في عملية التنمية، ومنحها الفرص، لتساهم مساهمة فعلية في ميادين الحياة كافة، كمواطنة مثلها مثل الرجل. لكن، إذا رجعنا إلى القوانين، سنرى أن قوانين الأحوال الشخصية والعقوبات والجنسية لا تعتبر المرأة مواطنةً كاملة الأهلية، ولا تتساوى في المواطنة مع الرجل. وكما أن القانون المدني وقانون العمل قد منحا المرأة نظريًا استقلالية كاملةً، ومساواة مع الرجل، إلاّ أن الواقع العملي يظهر مدى انفصال النظرية عن التطبيق، وأهمية المعوقات الاجتماعية والأعراف والتقاليد السائدة في لجم طموح المرأة، والحد من تطورها، ومساهمتها الفعلية في الشأن العام والخاص أيضًا.

لم تسع الحكومات المتعاقبة في ظل حزب البعث إلى النهوض بالوعي العام، ومعالجة المشكلات الاجتماعية المستفحلة، بل أوجدت الظروف المناسبة لترسيخها، فبقيت المرأة أسيرة الثقافة الذكورية التي تمارس عليها بشكل مباشر وشخصي، في البيت والمدرسة والعمل. وبشكل غير مباشر عن طريق سلطة الموروث الثقافي والتقاليد، ولم يحدث الانقلاب الثوري الذي نادى به حزب البعث التقدمي الاشتراكي، علمًا أن هناك مواد قانونية ضمنتها اللوائح منذ عهد الاستقلال، واستمرت إلى ما بعد استلام “البعث” السلطة، منها قانون العقوبات الذي صدر بمرسوم تشريعي عام 1949 الذي يضمن إلحاق العقوبة بمن سبب الأذى للمرأة، سواء كان أبًا أم أخًا أم زوجًا أم غيره، لكن طغيان العرف والطغيان الاجتماعي كانا يدفعان المرأة إلى الصمت، وتحمّل الأذى بكل درجاته. كما أن قانون الاغتصاب بقي، بفحواه وروحه المشبعة بالسلطة الجائرة، يحتقر كرامة المرأة، مثل قانون الزنا.

يمكن الحديث مطولاً عن انفصال الواقع عن النظرية، وعن الشعارات التي رفعها حزب البعث، بالنسبة لقضايا المرأة، لكن الشرح يطول، وتبقى المناسبة المجيدة التي احتلت الصدارة خمسة عقود، هي ثورة الثامن من آذار/مارس الرائدة، رصدت لها المنابر الإعلامية والميادين العامة للاحتفال، وتمجيد ذكراها كل عام، بينما يغرق المجتمع السوري في مستنقعاته، ويدفع المواطنون فواتير الظلم والجور والفساد، وتدفع المرأة الفاتورة الأبهظ، فعلى الرغم من القوانين المتقدمة لم يسعَ النظام إلى دفع المجتمع ليواكبها، وفشلت النخب الثقافية في التأثير بالوعي العام إلى المستوى المطلوب للتغيير. الحزب الاشتراكي المهيمن حوّل الدولة والمجتمع اللذيْن يقودهما إلى الانضواء تحت خيمة سياسة اقتصادية ليبرالية، ضامنة مصالح تحالف السلطة ورجال الأعمال والمال بمباركة رجال الدين، فانزلق المجتمع إلى دوامة الفقر والتدين، وبقيت الحكومة ترفع شعار العلمانية، تحت سلطة نظام استبدادي، اعتقل الفكر وسخّره لصالح أجندته، وبناء كوادر تعزّز سلطانه، ومحاربة القوى العلمانية والحداثية في المجتمع، عبر القمع المركز ضد حركات اليسار، واحتكار السلطة، وإفساح المجال للتيارات الدعوية، تمارس نشاطاتها، وتملأ الفراغ الوجداني والمعرفي الذي يعاني منه معظم الشرائح المجتمعية.

تدشين حقبة تدّعي العلمانية والحداثة في الثامن من آذار/مارس 19633 بانقلاب عسكري، واستئثاره بالسلطة بأي ثمن، عطّل إمكانية تطوير المجتمع المدني، والتداول الديمقراطي للسلطة، وأدخل البلاد في نفق مظلم تحصد سورية نتائجه الآن، بعد فورة ما سُمّي الربيع العربي، يدعمه اقتحام العالم، ممثلاً بقواه العظمى والقوى الإقليمية، بلادنا التي أظهر الواقع كم كان المجتمع هشّاً فيها، وكم الهوّة عظيمة بين النخب والمجتمع، وتحويل الحراك السوري إلى حربٍ كارثيةٍ مستعصيةٍ حتى الآن على الدخول في مفاوضاتٍ تمهد الطريق إلى سلام يمكن إعادة البناء بعده.

المجتمع السوري متهتك بدرجة كبيرة، والمرأة السورية دفعت أعظم الفواتير في ظل العلمانية العرجاء، وفي ظل الثورة المغدورة، وليس وضع المرأة في المناطق التي تقع تحت سيطرة الفصائل المعارضة والمسلحة سوى دليل على تردّي وضعها، ضاعت أحلامها وأظلم واقعها بين آذارين، آذار 1963 وآذار 2011، وهي تتفرج اليوم على واقعها وواقع بلدها وأبنائها على الشاشات، وتتفرّج على عالم يرصد يومًا للمرأة، هي خارج ترفه.

(*) كاتبة سورية

مقالات ذات صلة

إغلاق