أدب وفنون

معرض إسطنبول للكتاب، واستنهاض الإيديولوجيا!

تأتي المعارض، بأنواعها المختلفة، لإطلاع زوارها على آخر ما توصل إليه العقل البشري من إبداع، وعلى ما أنجزته يد الإنسان من أدوات تسمو بالحياة، حضارة ورقيًا؛ فتجعلها أكثر ملاءمة للإنسان الذي يُعدّ وحده، من بين الكائنات الحيّة جميعها، من يمنحها قيمها ومعانيها. ولعل المعارض الثقافية، آدابًا وفنونًا مختلفة، من أهم المعارض وأرقاها، إذ لا تلامس جانبًا محددًا من جوانب حياة الإنسان النفعية، فحسب، وإنما تلامس كلّيته المبدعة أيضًا، عقلًا يفكر، ومشاعر تتحسس، وعواطف تدفع وتحضّ على الأفضل والأجمل.

من هذه الرؤية أريد الدخول إلى معرض إسطنبول للكتاب الذي يقام -الآن- في المدينة العريقة الحديثة إسطنبول، المدينة التي تحمل في أثناء قدمها وأصالتها ثقافات متوارثة، تحكي قصص المدينة والحضارة والإنسان.

تقديم وتعريف

يستمر المعرض عشرة أيام،  تقع بين الرابع والعشرين من شباط/ فبراير، والخامس من آذار/ مارس، من عام ٢٠١٧، وهذا المعرض مخصص -في الأصل- لدور النشر التركية، لكن المشرفين على المعرض أرادوه مشتركًا مع دور النشر العربية، وبناء على ذلك؛ فقد وُجهت الدعوة إلى دور النشر العربية كافة، مع إعطائها تسهيلات خاصة، والغاية، بحسب ما يشير الأستاذ “محمد أغا آقجة”، أن تكون هناك علاقات بين الناشرين العرب والأتراك؛ لتبادل الخبرات، من جهة، ومن جهة أخرى؛ لتنمية تسويق الكتابين: العربي والتركي، عبر الترجمة المتبادلة، وللمساعدة في تعلم اللغتين: العربية والتركية اللتين -في ما يبدو- باتت الحاجة إليهما -في الفترة الأخيرة- ضرورة موضوعية، يطلبها نمو العلاقات بين البلدان العربية وتركيا، وبخاصة بعد أن استقبلت المدن التركية أعدادًا غفيرة من السوريين والعراقيين واليمنيين، ضحايا حروب الاستبداد وأوجاعها (هذا الأمر ملاحظ في المعرض نفسه).

الحفاوة بالعارضين

يمكن القول: إن هذا المعرض مميز عن كثير من معارض الكتاب الدولية الأخرى، إذ جرى احتفاء خاص بالناشرين، فقد تكفلت إدارة المعرض بمبيتهم في فنادق سياحية جيدة، ووفرت لهم يوميًا وجبة غداء، في مطعم استُقدم إلى حيث يقام المعرض، لهذه الغاية، كذلك عينت مترجمين، بمعدل مترجم واحد لعدة أجنحة، وقد أسهمت بلدية إسطنبول، وبعض الشخصيات التركية، في إنجاح المعرض، وزيادة زواره، إذ خصصت أوقاتًا لتلاميذ المدارس، يزورون المعرض برفقة معلميهم، وبخاصة معلمي اللغتين: العربية والتركية (في المدارس أو المعاهد التي تُعنى بتدريس اللغة العربية)، وقد زُوّد التلاميذ ببطاقات شراء مجانية، مع ترك حرية الطالب في اختيار الكتاب الذي يستهويه، دون إلزامه بدار نشر محددة، فضلًا عن الجولات التي خُصصت للناشرين؛ لزيارة بعض معالم إسطنبول، وليتعرفوا على ما أُنجز في السنوات الأخيرة في مجال تنمية خدماتها، وتجاوز مشكلاتها، وتحسينها باستمرار.

مآخذ على المعرض

أولًا- لم تكن هناك مشاركة واسعة من أكثر دور النشر العربية انفتاحًا على الثقافة المتصلة بحضارة اليوم؛ ما أفقد القسم العربي كثيرًا من المزايا، وأولها حرمان القارئ العربي في تركيا من تحقيق رغباته في توفير الكتاب الذي يلبي حاجته عبر معارض الكتاب في العادة، إذ كنتَ ترى كثيرًا من الزوار يبحث عن كتب بعينها، فلا يجدها، ومنها كتب علمية، أو كتب ثقافية تثير إشكالات معاصرة، أو تحاول الإجابة عن أسئلة يطرحها الواقع، ما يسهم في تحريك أذهان القرّاء عند التنعّم فيها، وبخاصة في هذه المرحلة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط، والسبب غياب الدور المعنية بتلك الكتب. ومعروف أن الكتب الممنوعة في هذا البلد العربي أو ذاك، تُؤخذ من المعارض، وتُهرّب إلى حيث تُطلب. ويمكن أن نضيف إلى ذلك، أن مجمل النشاط الثقافي الذي أقيم على هامش المعرض كان يصب، في نحو أو آخر، في هذا الاتجاه!

ثانيًا- لوحظ أن معظم دور النشر العربية المشاركة ذات توجّه واحد؛ توجّه تحزّبيّ إسلامي، يعمل لاستنهاض التراث، من دون النظر إلى حركة الحياة، وتبدل الواقع، بدءًا من الكتب  المخصصة للأطفال، وانتهاء بكتب الكبار التي تدور في إطار محدد منذ مئات السنين، هذا التحزّب، وهذه الأدلجة هما اللذان لم يستطيعا أن يتجاوزا حال التخلف التي تخيّم على البلاد العربية والإسلامية، في حين خطت بلدان أخرى بعيدًا في ميادين التطور الاقتصادي والاجتماعي، ومنها تركيا نفسها، وماليزيا أيضًا، ومن هنا؛ يمكن للمرء المتعاطف مع تركيا أن يضع يده على قلبه؛ خشيةَ ما يمكن أن تفعله هذه الثقافة، وهذه الإيديولوجيا، وممارستهما في الحياة العملية، من انتكاسات قد تعود بتركيا إلى الوراء، وهي أكثر الدولة استهدافًا اليوم، من بين دول الشرق الأوسط، على الرغم من كل التقدم الذي أحرزته.

ثالثًا- جرت بين كواليس المعرض أحاديث “مؤكَّدة”، تفيد بأن منظمة إغاثية ما، هي التي دفعت المعرض في الاتجاه “غير المثمر” هذا، حتى إنها أعفت بعض المشاركين من “ذوي القربى”، ذوي التوجه نفسه، من رسم الاشتراك في المعرض. وشرّ البلية -هنا- “ما يبكي” إذ إنه جاء منسجمًا مع الحال التي يمر بها العرب والمسلمون في المنطقة العربية والعالم عمومًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق