مقالات الرأي

خطوط قتال النظام على جبهة التفاوض

لا تنغروا بموافقة النظام على جدول أعمال جنيف 4، وعلى قبوله بمناقشة النقاط الثلاث، مع إضافة بند الإرهاب إليها، ولا تتوقعوا أن المفاوضات ستبدأ في جنيف 5 الذي سينطلق في 20 آذار/ مارس الجاري. فكل تصور أو قناعة بأن النظام، ومن ورائه إيران، سيقبل بأي حل سياسي، هو نوع من الوهم، وأي قناعة بأن النظام يقبل أي نوع من شراكة المعارضة بالسلطة، ستكون نوعًا من السذاجة السياسية، وأي وهم بأن النظام يمكن أن ينفذ أي اتفاق بإخلاص، سيعني الوقوع في الخديعة؛ فقد رسم النظام، ومن ورائه إيران، استراتيجيته، ووضع خطته وتكتيكه القتالي على هذا الأساس. ولم يحد، ولن يحد، عنه قيد أنملة.

لنتذكر أنه يوم كان صيف 2012 قاب قوسين أو أدنى من السقوط، لم يقدم أي تنازل، ولم يبدِ أي رغبة في الحوار، ويوم مفاوضات جنيف2، في كانون ثاني/ يناير، وشباط/ فبراير 2014، يوم كانت المعارضة ممثلة بوفد الائتلاف وحده، وكان العالم موحدًا يدعم الانتفاضة، ومكنة الإعلام العالمية كان  معظمها مسخّرًا لخدمة قضية الشعب السوري؛ لم يقبل النظام أن يقدم أي تنازل، فما بالكم اليوم، وقد أصبحت أولوية القوى الكبرى محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، وتراجعت الثورة، والتهم تنظيم الدولة جزءًا كبيرًا من مناطق سيطرته، وفتك بكثير من فصائلها، وكذا فعلت جبهة النصرة، وخسرت المعارضة مدينة حلب ووادي بردى، وباتت محاصرة في كثير من مواقعها، من الزبداني، وحتى أحياء عدة في دمشق، والغوطة الشرقية، ومنطقة الرستن، والحولة، وغيرها، وسيطرت قوات الـ “بي واي دي”، المتحالفة مع النظام، على منطقة واسعة من شمالي وشرقي سورية، وأبرمت تركيا اتفاقًا مع روسيا سهَّلت بموجبه تواصل روسيا مع الفصائل المعارضة المقاتلة، وسهلت عقد أستانا واحد واثنان، وباتت روسيا هي اللاعب الرئيس في القضية السورية، وأصبحت الضامن والمراقب للخروقات التي تقوم بها طائراتها؛ فهل يتوقع عاقل أن يقدّم النظام أي تنازل اليوم؟

ولكن النظام وإيران يخضعان لضغوط دولية كبيرة؛ ما يضطرهم إلى تقديم تنازلات، والقيام بأفعال، واتخاذ مواقف، لا يرغبها النظام ولا ترغبها إيران، بل ولا ترغبها روسيا.

أمام هذا الوضع؛ أقام النظام تكتيكه القتالي على خمسة خطوط قتال:

خط القتال الأول: رفض مناقشة أي أمر سياسي، والتركيز على المماطلة، والاعتماد على استفزاز وفد المعارضة، وقد كلف الجعفري بهذه المهمة، فهو شخص سليط اللسان إلى حد الصفاقة، يقوم بهذه المهمة خير قيام، ثم التركيز على محاربة الإرهاب، قضيةً أولى وقبل أي شيء، واتهام فصائل المعارضة بالإرهاب، مستفيدًا من تصنيف النصرة بقرار مجلس الأمن فصيلًا إرهابيًا، ومستفيدًا من تصاعد أعمال الإرهاب في أوروبا وأميركا؛ ما شكل تحولًا باتجاه منح مكافحة الإرهاب الأولوية. ولكن، وفي الوقت نفسه، الاستمرار في ضرب المعارضة، وقضم مناطقها، وتشتيتها، وخلق خلافات بينها، واجتذاب عناصر منها، ثم إرباك المفاوضات؛ بخلق أجسام معارضة وهمية؛ للتشويش على وفد المعارضة الحقيقي، وهو وفد الهيئة العليا للمفاوضات (خلق منصة موسكو، منصة القاهرة، منصة حميميم، منصة أستانا، منصة الـ “بي واي دي”، منصة الوفد النسائي، وسنرى منصات أخرى في المستقبل). وقد نجح هذا الخط القتالي بتجميد بدء التفاوض على “حل سياسي”، منذ تموز/ يوليو 2012 وحتى مطلع 2017، حيث انتهى جنيف 4 الذي انتهى قبل أيام مجبرًا النظام أخيرًا على الموافقة على بحث الانتقال السياسي، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وإعداد دستور جديد، وإجراء انتخابات “حرة” بإشراف الأمم المتحدة، موافقة فحسب، سيليها كثير.

خط القتال الثاني: إذا ما اضطر النظام للدخول في مفاوضات سياسية في جنيف 5، كما تقرر أخيرًا، فسيعمل على تعطيل البدء بها، وعلى أن تجري المفاوضات في الموضوعات الأربع على نحو متزامن، وليس متسلسل، كما ينص القرار 2254، ثم تعطيل أي تقدم في المفاوضات السياسية؛ بحجة عدم التقدم في مفاوضات مكافحة الإرهاب، وسيسعى النظام -على نحو مقصود- إلى وضع شروط تعجيزية، لا يمكن أن توافق عليها المعارضة، ومن ثَم؛ توقف المفاوضات بعد أسابيع من عدم التقدم، وفي الوقت نفسه، استمرار ضرب مواقع المعارضة، بدعم إيراني وروسي، وقضم مزيد من مناطقها وتشتيتها.

خط القتال الثالث: إذا ما أُرغم النظام على التقدم في المفاوضات السياسية في جنيف 6، بعد أسابيع أو أشهر من التوقف، وبدأت مفاوضات تشكيل هيئة حكم، أو حكم انتقالي، أو حكومة وحدة وطنية، ودستور… إلخ، فسيتمسك النظام بشروط لا تغير في مشهد الاستبداد القائم، وسيصر على بقاء الأسد بسلطاته كافة تقريبا، وتستمر السيطرة على الجيش والأمن والمالية والداخلية، وتبقى ميليشيات إيران وقوات روسيا في سورية ولن تخرج، وسيصر على وضع الخطوط العامة للدستور، أو المبادئ الدستورية الحاكمة للمرحلة الانتقالية، بما يماثل دستور 2012 تقريبًا، أي بصلاحيات واسعة جدًا للرئيس، وضمان “حق” الأسد في الترشح للانتخابات المقبلة … إلخ، بما يضمن له إعادة تأهيل النظام، والنظام يعلم أن المعارضة لن تقبل بأي شيء من هذا، ويتوصل، من ثم؛ إلى وقف المفاوضات بعد عدة أسابيع من التعطيل، وفي الوقت نفسه؛ يستمر السيناريو نفسه، استمرار قصف مناطق المعارضة، وقضم مساحات منها، وطرد سكانها، أو إبرام اتفاقات مصالحات معها، وتوسيع رقعة سيطرة الـ “بي واي دي”.

خط القتال الرابع: إذا أُرْغِمَ النظام على التقدم في المفاوضات السياسية في جنيف 7، بعد أسابيع أو أشهر من التوقف، وأجبر على إبرام اتفاق سياسي ينص على مرحلة انتقالية وحكومة وحدة وطنية، وبقاء الأسد بصلاحيات محدودة، ولم يتحقق له كل ما يريد، واضطر إلى تقديم تنازلات مؤلمة بالنسبة له، فسيكون حريصًا قبل بدء سريان الاتفاق ووضعه قيد التنفيذ، وبدء المرحلة الانتقالية، أن يكون قد قضى على معظم قوة المعارضة، عدا بعض الجيوب، وأن تكون روسيا قد استطاعت أن تجد المعارض “قديروف”، كما فعلت في الشيشان؛ ليلعب دور “الجوكر” في المفاوضات، وصوغ الحل والمرحلة الانتقالية، بما يضمن إعادة تأهيل النظام. فهذا الوضع سيمكّن النظام من تزوير الانتخابات، اعتمادًا على استعادة سيطرته، هو وقوات البي واي دي، على معظم مناطق سورية وسكانها، ما يعني إرغام غالبية السوريين على انتخابه في هذه المناطق، ومعتمدًا على خبرته وشهرته الواسعة في مثل هذا التزوير، وأيضًا؛ اعتمادًا على تشتت المعارضة، وضعف داعميها، وتعدد مرشحيها؛ ما يضمن فوز بشار الأسد في الانتخابات “الشرعية” التي سيديرها وزير داخلية النظام محمد الشعار، وستراقبها الأمم المتحدة وروسيا، بما يعطي نظام الأسد عمرًا شرعيًا جديدًا مديدًأ.

خط القتال الأخير: إذا انهارت الخطوط الأربعة السابقة، ووجد النظام أنه لن يستطيع ترتيب الأمور كما يأملها في خط دفاعه الرابع؛ فسيتجه نحو تقسيم سورية، والاكتفاء بما يستطيع السيطرة عليه مما يسميه “سورية المفيدة”، وسيدعمه حزب الـ “بي واي دي” في مشروعه هذا؛ لأنه سيجد فيه ضالته، وستؤيد إيران هذا الخيار الواقعي الممكن، وقد يكون هذا هو الخيار الذي تؤيده موسكو في النهاية؛ لكونه أفضل ما يمكن تحقيقه.

ولكن….

ليضع النظام وإيران وموسكو الخطط والتكتيكات التي يريدونها، وليتمسكوا ما استطاعوا بمواقفهم، معاندين كل حق وكل منطق، فهم ليسوا اللاعب الوحيد، بل ولا حتى الرئيس، بل ثمة لاعب أقوى منتظر، وهو إدارة السيد ترامب، ويعلم الروس أن لا حل في سورية بدون موافقة الأميركان، وهم يلعبون في الوقت الضائع، ولكن لا أحد يعرف كيف سيكون موقف إدارة ترامب تجاه الصراع في سورية، ولكن موقفها الحازم تجاه إيران قد يعني أن كل خطوط قتال النظام ودفاعه لن تُجْدِهِ نفعًا، وقد يجد الروس أنفسهم مضطرين في النهاية إلى إرغام إيران على الخروج من سورية، و فرض حل سياسي على النظام يخرج بشار الأسد من السلطة، قبل أو خلال المرحلة الانتقالية.

لكن ما يخشاه السوريون أن يكون انتظارهم الأخير -هذا- لإدارة ترامب تشبه انتظار “غودو” الذي لا يأتي، في مسرحية الكاتب الايرلندي صموئيل بيكت.

مقالات ذات صلة

إغلاق