مقالات الرأي

مقترح راند لتفتيت سورية

غاية نبيلة، بحسب زعم مؤسسة راند الأميريكية، تدفعها لتجشم عناء وضع خطة، تتضمن “مجموعة من الخطوات العملية التي تهدف إلى الحد من الاقتتال في سورية”، وغايتهم النبيلة -تلك- هي “إنقاذ الأرواح، والحد من تدفق اللاجئين؛ ومحاربة الإرهاب والتطرف”، ولكن أيضًا؛ لـ “توفير مزيد من الوقت؛ لتنفيذ العملية الانتقالية بنجاح”. أما كم هو هذا الوقت؛ فالله أعلم.

تُقدّم مؤسسة راند تقاريرها بحجة “الحل الواقعي” الذي لا يمكن تحقيق سواه، عبر: الوصول إلى دولة لامركزية في سورية على أساس “المناطق المعتمدة والمتفق عليها من الشركاء الخارجيين”. نعم هكذا وبكل صفاقة هذه المرة، ما يتفق عليه الشركاء الخارجيون، وليس السوريون.

كانت راند قد وضعت تقريرها الأول بالمحتوى نفسه تقريبًا مطلع 2016، ثم أردفته بتقرير ثان صيف 2016، ثم هذا التقرير الثالث شباط/ فبراير 2017، ولكن لا جديد في التقارير الثلاثة، من حيث الجوهر؛ فهي تقدم توصية بسيطة مفادها: لا حل في سورية سوى تمزيقها، ولا يخفي التقرير الثالث الذي نحن بصدده هويته وغايته؛ فالعنوان يشي بالمضمون، فهو يستخدم ثلاث عبارات لما يسميه “خطة سلام من أجل سورية”:

مناطق السيطرة، انطلاقا من القدرة على وضع اليد والسيطرة، أي: واقعية شريعة الغاب، اللامركزية، أي: التفتيت عبر إقامة مناطق سيطرة، تدعمها قوى احتلال خارجية، تُمنح صفة شرعية بموجب قرار أممي، ويقدم خريطته المبينة في هذه المقالة دون أي تسويغ، لماذا هذه المناطق.

الإدارة الدولية، وخطة دولية لإدارة محافظة الرقة بعد تنظيم الدولة الإسلامية، أي نزع السيادة الوطنية.

والخطة التنفيذية المقترحة للتفتيت، هي:

– تأجيل الانتقال السياسي الشامل.

– تجميد الصراع.

– إقامة لا مركزية راديكالية في حكم سورية وتسييرها.

– خطة إدارة دولية لمناطق سيطرة تنظيم الدولة بعد دحره.

– قوى خارجية تشرف على تنفيذ وقف إطلاق النار في المناطق الإقليمية المتفق عليها.

– بدء مفاوضات ماراثونية بين جميع القوى المحلية والإقليمية والدولية.

وبينما أقرأ تقارير راند، يعود بي الزمن إلى عام 1916 ومنطق “سايكس بيكو”، أو “وعد بلفور” 1917، واغتصاب فلسطين 1948، أو عدوان 1956 على مصر بعد تأميم قناة السويس، أو عدوان إسرائيل 1967 واحتلال مزيد من الأراضي العربية، ومباركة هذا الاحتلال، أي: استسهال التمزيق والإلحاق، وإهدار الحقوق، وفرض الحلول الجائرة بالقوة، و”التبول على الشعوب وحقوقها”.

في الواقع لا يتضمن التقرير أي قيمة تحليلية علمية، فلم يبذل واضعو التقارير الثلاثة أي جهد علمي، إذ لم يقدم التقرير أي قيمة معرفية، ولم يتضمن مقترحه أي فكرة عملية ذات قيمة؛ كي يبدو متماسكًا، فلم يحلل معوقات وصعوبات تحقيق مثل هذه المقترح، ولم يحلل نتائج الفوضى التي ستنجم عنه، ولا يأخذ في الحسبان عدم الاستقرار الذي جلبه مثل هذا التفكير للعراق الذي لم تستقر أوضاعه،  على الرغم من مرور 14 عامًا حتى الآن، ولم يتناول أي من المشكلات الكبرى، فلم يتناول وضع 12 مليون مهجّر، ولم يخوض في موضوع إعادتهم إلى بيوتهم، وإعادة الإعمار؛ كي يستطيعوا العيش، ويستغنوا عن المساعدات التي لن تستمر إلى ما لا نهاية، ولم يأخذ في الحسبان -مثلًا- موقف دول مجلس التعاون التي ستتوقف عن دفع أي مساعدات في حال استبعادها، كما يبدو من التقرير، ولم يشر إلى عجز إيران وموسكو، وامتناعهما عن دفع أي مبلغ لإعادة إعمار، ومساعدة مناطق سيطرة النظام، وقد منحتها خريطة التقرير معظم أراضي سورية، ومن ثم؛ فهو تحليل بائس، يبدو  مستغربًا من مؤسسة كبيرة، لها ميزانيات ضخمة، مثل مؤسسة راند.

عندما أقرأ مثل هذه التقارير، تتصاعد مخاوفي من أن تكبر الكارثة السورية، وتصبح قضية بدون حل، وأفهم من أين يأتي ترامب بمقترحه لإقامة مناطق آمنة في سورية، دون أن ينخرط في العملية السياسية؛ للوصول إلى حل سياسي قريب للكارثة السورية.

لقد بدا هذا التقرير كسابقيه، وكتقارير مؤسسات أمريكية أخرى، مثل بيكر وكارتر، وكأنه مجرد مذكرة تنفيذية لقرار مسبق الصنع بتفتيت سورية واحتلالها؛ “لغاية في نفس يعقوب”.

مقالات ذات صلة

إغلاق