أدب وفنون

أنا شجرة سنديان!

قالت سارة: فكّرت ملّيًا. تأملت مراحل حياتي المختلفة. اكتشفت: أني شجرة!

نعم. أنا شجرة سنديان قوية. راسخة الجذور. ثماري متجددّة. لولا ذلك، لما استطعت أن أقاوم عواصف حياتي. إن أعاصير أحزاني، ومشكلاتي كانت كافية لأن تدمّرني، لكني قاومت، وإلّا كنت شخصًا آخر، غير ما أنا عليه الآن!

تشبهني السنديانة، لأنها تنمو، وتثمر، سواء في أرض فقيرة، أو أرض غنية. جرّبت الحالتين.

عشت طفولتي متأرجحة بين عالمين. عالم جدتي الفقيرة، أمّ والدي، التي تشبه هي الأخرى سنديانة قوية. منحتني: الحب والرعاية والحنان، وعالم جدّي والد أمي، الغني، الوسيم، الطويل كشجرة سنديان عملاقة… الذي منحني -بدوره- الثقة، والشعور بالأمان. علمني: الكرم، والتسامح، وحب الحياة.

كلاهما كان السياج الحامي في طفولتي المبكرة، بعد انفصال والدّي.

كنت صغيرة جدًا، حينما اختفى والدي من حياتي. عرفت لاحقًا أنه سجين سياسي. لم أفهم –حينئذ- ماذا يعني سجين سياسي يقبع سنوات طويلة في معتقلات النظام الديكتاتوري المخيفة!!

ما برحت صورة والدي عالقة في ذاكرتي، كطيف غامض لرجل، أسمر، نحيل، يقف خلف شبك معدني أسود. يغتصب ابتسامةً، ويلوّح لي بيده، في أول زيارة له في السجن، بعد خمس سنوات من اعتقاله!

تزوجت والدتي من رجل آخر. صار لي منها أخ وأخت، غير شقيقين. كنت ألتقي بهما مع والدتي في بيت جدّي. في عطلة نهاية الأسبوع، أو في أثناء العطل المدرسية، ثمّ أعود إلى المكان الذي وُلدت، وعشت فيه مع جدتي لأبي.

ذلك التأرجح، بين بيئتين، مختلفتين ماديًا واجتماعيًا، وشم روحي، وترك ندوبًا عميقةً في داخلي. إذ ثمة أسئلة كانت تهطلُ عليّ كالمطر، لم أجد لها أجوبة، ولم أستطع تجاوزها، إلّا بعد صراع مرير مع الذات، ووعي بكينونتي، والعالم المحيط بي.

كنت في العاشرة من عمري، حينما أٌطلق سراح والدي من المعتقل. تزوج بعد فترة، وأنجب –أيضًا- أختًا وأخًا لي، غير شقيقين. أي تفرعت شجرتي إلى أغصان وثمار جديدة. أحبهم جميعًا، وأهتم لأمرهم، على الرغم من التناقضات التي لا تجمع بينهم.

أول صدمة وأجهتني في بداية مراهقتي. كانت حينما اختطف الموت جدتي. شعرت آنذاك أن رياحًا عنيفة، تعصف بكياني، وتكاد تقتلعني من جذوري. اختلّ توازني، مع فقدان الصدر الحاني، الذي يكفكف دموعي، ويرشدني. كان عليّ النهوض مجددًا، كي أعيد ترتيب حياتي، ومواجهة ما لم يكن بالحسبان.

كان جدّي. جناحي الآخر دائم الأسفار –بحكم عمله– لذا؛ أمست أغصاني عارية، وأنا تائهة، لولا زوجة عمي، التي شعرت بما أعانيه، فأضحت في تلك المرحلة أمي الثانية، وبيت أسراري، وملاذي الآمن. تصغي إليّ. أبوح أمامها. ترشدني إلى الطريق.

لم أعد، بعد وفاة جدتي، وأسفار جدي الدائمة “سندريلا” المدللة. إذ اضطُررت للعيش في بيت والدي، مع زوجته، التي عاملتني غريبة فائضة عن الحاجة.

كانت تلك المرحلة أسوأ أيام حياتي، وأكثرها إيلامًا، وسوداوية. كان عليَ الاعتماد على نفسي في كل شيء. حلّ مشكلاتي مع زوجة والدي. تغير هرموناتي. دراستي وتحصيلي العلمي. البحث عن عمل… نجحت –بعد معاناة طويلة- وفتحت آفاقًا جديدة، بدأت تثمر، لكن، وقبل أن يشتد عودي، غيّب الموت جدّي، بيد أنني كنت حينئذ أكثر صلابة ًوقدرةً على امتصاص الصدمة. شعرت أن دوري قد جاء، ومن واجبي الآن العطاء لمن حولي.

لم تطل الفترة، كما يجب، مع هبوب رياح الثورة السورية، التي غيرت كل شيء. كان الفرح في البداية عارمًا، والحلم عريضًا، بيد أن إصرار نظام الاستبداد على ممارسة العنف العاري، لم يترك حجرًا على حجر. طالت الآلام والأحزان، والدمار، والتهجير، والقتل، والاعتقالات، بلدي الكبير، وأسرتي الصغيرة!

هٌجّرنا من بيتنا الذي بات أنقاضًا. غيّب الاعتقال أخي، طالب الطب الحالم الذي تظاهر مع زملائه، حاملًا الشموع والأزهار، فاختفى من دون أن نعرف شيئًا عن مصيره المجهول. اختفى زوج والدتي في ملابسات غامضة، ولحق بابنه. جٌنّ جنون والدتي على ابنها، وزوجها. خرجت بعد فترة من نوبة أحزانها. مسحت دموعها. قالت لأختي بتصميم لم نعرفه عنها من قبل: اذهبي لبيت خالتك. كان قرارها، لا رجعة فيه: تكريس كل ما تبقى من حياتها للثورة.

راحت في البداية تجمع التبرعات العينية، من ملابس، وأغطية، ومواد طبية. توزعها على المهجرين في أماكن الإيواء. كانت تتنقل بسيارتها من مكان إلى آخر، لجمع التبرعات وتوزيعها. دون خوف، أو حسابات. اعتُقلت في المرة الأولى لمدة شهرين. بعد أن خرجت من المعتقل، وسعت دائرة نشاطها. اعتُقلت للمرة الثانية لثلاثة أشهر ذاقت خلالها كل أنواع التعذيب والإهانات. لعبتُ بعد خروجها من المعتقل دور الأم لها. صرت أرشدها. أخفف عنها. أحميها من غضبها وانفعالاتها. كنت مرعوبةً عليها. إذا وقعت في أيديهم للمرة الثالثة ستكون نهايتها. وصيتها الوحيدة، المتكررة لي كانت الاهتمام بأختي، التي باتت مشردة بين بيوت الأقارب.

لم أعرف ما يدور في رأسها. اختفت مجددًا. لم تردّ على اتصالاتي المتكررة. علمت بعد حين، أنها انتقلت إلى الغوطة الشرقية. أسست هناك جمعية نسائية. تشرف بنفسها على طبخ مأكولات صعبة التحضير. تنقلها بسيارتها وحيدةً إلى مناطق الاشتباكات الخطرة، كي يأكل المقاتلون طبخًا طازجًا. لم أصدق أن أمي الرقيقة التي كانت تخاف أصوات فرقعة البالونات في أعياد ميلادنا، بإمكانها أن تقوم بكل ذلك.

انتقامًا منها حرقوا بيتها، بكل ما فيه. لكن حتى الموت، لم يعد مفردة في حساباتها. أسوأ مخاوفي أن أفقد أمي. وأخي المعتقل، مجهول المصير، وأغلى أمنياتي أن يتحرر بلدنا، ويلتم شمل أسرتي، وألتقي أخي حرًا طليقًا.

يا أمنا الأرض.

يا سوريتنا الحبيبة…

سأبقى سنديانة ضاربة الجذور في تربتك الطيبة، على الرغم من أن أغصاني الآن موزعة. ترفرف بين حاراتك. ترنو إلى رائحة أماكنك الأليفة، وأنا في بلدي الثاني في “المهجر”، الذي احتضن آلامي. ومسح دموعي. ومنحني الأمان، والدفء، والآمل من جديد!

مقالات ذات صلة

إغلاق