مقالات الرأي

حمولة آذار السابع

في ما مضى كنت أتساءل عن آذار/ مارس العجيب، وأرى فيه متناقضات الطبيعة كلها، فمن جهة هو شهر الزلازل والأمطار؛ حتى ليأتي الراعي فلا يرى باب الدار، كما تقول العامة، ومن جهة أخرى هو شهر الولادة وإعادة إنتاج الحياة؛ حيث تنبت الأرض، ويهل فصل الربيع ويعود الدفء ليبشر الناس بالمرح والفرح فيجمعون أجمل أعيادهم فيه، ففيه أعياد النيروز -التي هي منذ أقدم العصور- رمز الولادة الجديدة للطبيعة بعد مخاض الشتاء العسير، وزاد المجتمع البشري، أيام المرأة والأم والمعلم ومناسبات الثورات على هذا الشهر أيضًا، وكأنها جميعًا الولادة الجديدة لتلك المجتمعات التي تحضنها، وكأنما لا يرون فيه زلازله؛ ففرح الدفء والخلق الجديد، يجعلهم ينسون كآبة الشتاء ويهللون للأمل الآتي معه.

لقد رأيت كل ما في الطبيعة تلك في آذار الثورة السورية، فولادة سورية التي هتف الشباب والشابات فرحًا بها، جعلتنا ننسى زلازله وأهواله، وموات الشتاء الذي سبقه، ولم يوقظنا من الأفراح والليالي الملاح إلا قيظ حر الصيف المتناغم مع ما تجود به السماء من أنواع البراميل والصواريخ والطائرات، وأساليب الموت التي لم يشهدها زمان أو مكان من قبل، فما الذي حدث للولادة السورية حتى بات المولود يعاني سكرات الموت قبل أن يُمسك ثدي والدته؟ ولماذا انقلبت معجزة الشباب وأعراسهم إلى سيزيف وصخرته التي كلما ظنوا أنهم وصلوا إليها وجدوا أنفسهم لا يزالون في القاع؟ وهل ستلد سورية ولادة قيصرية بعد هذا المخاض الطويل أم ستكرمها الأقدار بمولود غير مشوه يتناسب وجمال ربيعها؟

لقد سبقني كتاب كثيرون وأجابوا عن تلك التساؤلات إجابات متنوعة الزوايا والاتجاهات، ولا أرى أي فائدة في تكرار ما قالوه، والحوار معه سلبًا أو إيجابًا، فغالبًا لم يُجانبوا الوقائع في تقديراتهم تلك، لكني سأضع تلك الأسباب جميعها جانبًا وأسلط الضوء على جوانب أخرى لم تنتقل بعدُ إلى وعي الشباب الثائر لعلَ التنبه لها يُخفف من حمولة آذار السابع ويُسهل الولادة الجديدة.

عندما خرج الشباب، ورفعوا أصواتهم اعتراضًا على الديكتاتورية والفساد والإذلال المقصود الذي تمارسه أجهزة السلطة الأسدية الأمنية منها، بخاصة، كادت فرحتهم تلامس السماء، وكانت مظاهراتهم أعراسًا حقيقية، كأنهم كانوا في حالة دهشة من أنهم “فعلوها”، بل كأنهم لم يصدقوا أنفسهم أنهم استطاعوا أخيرًا تحطيم الخوف الذي سيطر على تلافيف أدمغتهم زمنًا غير قليل، وشل تفكيرهم وحركتهم وغيَب أجمل مشاعر الحرية والكرامة الإنسانية، لكنهم بقدر ما كانوا يهزجون، كانوا غير واثقين بقدراتهم، وبأنهم أكفياء ما يحملون من مسؤولية ثورية حقيقية، وزاد الأمر سوءًا ذلك العنف الذي لا يعرف إلا لغة التصفيات الجسدية ليعيد الهلع إلى ما كان عليه، ويجعله منزلًا دائمًا يحمي ما جلسوا عليه من كراسي التسلط والاستبداد.

تلفت الشباب حولهم عل ما تبقى من رموز النضال الديمقراطي التاريخي على قيد الحياة؛ عله ينير الدرب الصعب، ويقود سفينة الثورة إلى مينائها الآمن، لكن المأزق الحقيقي أنهم لم يُدركوا أن الزمن وتعقيدات الوضع السوري كان قد تجاوز ما تبقى من تلك القيادات؛ حتى إنها نفسها قالت وصرحت أكثر من مرة -بادئ الأمر- بأنها ليست أكثر من داعمة لهذه الثورة، وليست قائدة لها، فهي لم تُخطط لتفجيرها إنما من فجرها عفويًا هم أولئك الشباب، متأثرين بما حدث في تونس وليبيا مصر، وكانت قناعتها أن دورها ينحصر في تأمين علاقات دولية داعمة لها، ولكن ما حدث أنه -شيئًا فشيئًا- تنحى شباب الثورة عن القيادة، بعدما استطاع النظام الأسدي تصفية موجتهم الأولى، والثانية، وكثير من الثالثة، بأشكال مختلفة، لم يكن أقلها القتل بالقنص، من جانب، ومن جهة أخرى، تسللت “القيادة التاريخية”، مختلفة الألوان والأهداف؛ لتحتل القيادة بأساليبها التي عفا الزمن عليها، جاهلة، أو متجاهلة، تعقيدات الوضع الاستثنائي السوري الذي كان يحتاج إلى قيادة ثورية استثنائية تملك مهارة قيادية استثنائية ومقدرة على التكتيك وإجراء التحالفات، ضمن رؤية استراتيجية واضحة تستطيع إقناع الثائرين والحلفاء والمتعاطفين، بها وتخليصهم من ألعاب القوى الخارجية بثورتهم الرائعة.

إن حمولة آذار السابع اليوم ليست أثقال ما مضى من آذارات فحسب، إنما زادت عليها ما ستأتي من شهور وأيام، وزلازل آذار اليوم أكبر -بما لا يُقدر- من الولادة الجديدة التي ربما لم يبلغ حملها الأيام الأولى له، فهامش القرار السوري بات ضيقًا ضيق ما تُعَده الإدارة الأميركية – الروسية لحرية العالم الجديد، وضيق ما تركته الكوارث والمآسي من أمل في نفوس من تبقى من الشعب الثائر، ولولا إرادة الصمود والإصرار على حماية الحمل الجديد لآذار السابع؛ لتحول آذار إلى امرأة عقيم يتطاير شبابها في عواصفه وتعجز عن لقاح الحمل والولادة، مودعًا نيروزات الحياة، فهل يُرزق الشعب السوري شبابًا قادرين على تلقيح آذار السابع بحمل ثوري جديد؟!! يملكون حكمة الشيوخ وشجاعة الفتيان، أنضجتهم نيران الآذارات السابقة، ضاربين عرض الحائط بمن شاخ من القيادات العقيمة التي ما كان لها أن تتقدم لقيادتهم سرًا أو علنًا، مؤكدين أن سورية ما تزال حمَالة ولادة، تسخر من شيخوخة الزمان وتتحداه بشبابها الدائم الذي لم يسمح يومًا للهرم أن يترك بصماته عليه.

مقالات ذات صلة

إغلاق