ترجمات

من سيكون قاديروف السوري

في بداية القرن العشرين، تشكَّلتْ في آسيا الوسطى (بما فيها كازاخستان) جماعاتٌ إسلاميَّة –متطرِّفة، عُرفتْ بـ(الباسماتش)، تهدف إلى فصل تركمانستان عن روسيا السوفياتية، وإقامة دولة تركمانستان الإسلامية. كان (الباسماتش) يتلقَّون الدعم المالي والعسكري من الإسلاميين الأتراك، أنصار أنور باشا، منظِّم حملة الإبادة ضد الأرمن. وتلقوا الدعم من الإمبراطورية البريطانية، التي كانت القوَّة الميهمنة عالميًا آنذاك.

بعد عدة هزائم كبيرة، شتاء- ربيع   1920، اعترف أحد كبار زعماء الحركة الباسمانية بالسلطة السوفياتية، وانضم مع مقاتليه إلى صفوف الجيش الأحمر. ولأنَّه كان من الصعب على السلطة السوفياتية الحديث عن طبقةٍ بروليتاريةٍ في تركمانستان الإقطاعية، وبهدف تبسيط الأمور، أُطلقَت تسمية البروليتاريا على “البيكاوات” الموالين للسلطة السوفياتية، ونعتتْ مناهضيها بالبرجوازية وعملاء الإمبريالية.

تٌحَلُّ الأمور في عموم مناطق الشرق على هذا المنوال وحسب. ولكنْ تُحلّ بعد استقطاب الأطر (الكادرات) المحلية وإدخالهم مؤسسات الإدارة بالطبع.

ظهرت هذه اللوحة أمام ناظري، مباشرةً، عندما قرأت الأخبار الواردة من أستانا التي احتضنت مؤتمرًا لتسوية الأزمة السورية. ولتحكموا بأنفسكم! فكازاخستان، الدولة المضيفة هي دولةٌ إسلامية (وللحقيقة أنا أشكر الله أنَّها لم تعقد في قرغيزستان). أمَّا الجهاديُّون فكانوا يتلقون الدعم من أردوغان الحالم، وكذلك من الدولة المهيمنة على العالم، الولايات المتحدة الأميركية. أمَّا القائد السوفياتي “فرونزيه”(أحد القادة في أثناء الحرب الأهلية بعد الثورة البلشفية/ المترجم)، فقد، تولَّتْ دورَه، في القرن الواحد والعشرين، القوات الجوية الروسية. وأخيرًا، سارع مقاتلو المعارضة المعتدلين” بعد هزيمة حلب” لبذل جهدٍ مضاعف في محاولة منهم للتوصّل إلى اتفاق.

إذا تفحصنا الأوضاع السياسية الخارجية التي جرت مباحثات أستانا في إطارها، نتوصل إلى ما يلي:

–     بعد محاولة الانقلاب العسكري في أنقرة، وكاد أن يقترب من النجاح، (أسهم الأميركيون -بهذه الدرجة أو تلك- في الإعداد له)، تخلَّى صَقرُ روسيا- فوبيا، أردوغان عن مغامراته التي كان يتخيَّل نفسه فيها أنَّه أنور باشا.

–     تخلَّتْ المعارضة السورية بهدوءٍ، وتقريبًا بدون فضائح، عن فكرةٍ ثابتةٍ كانت تتبناها منذ البداية، وتقول: “على الأسد الرحيل”. ومن جانب آخر، قال الرئيس السوري، بشكل لا غموض فيه: إن مسألة استقالته ليست قضيةً غيرَ قابلةٍ للحلّ، ولكن بعد توفير وضمان وحدة وسلامة الأراضي السورية فحسب، لأنَّه بدون ذلك لا يمكن إجراء استفتاءٍ لتغيير الدستور، وهذا يعني أنَّه لا يمكن خلع الرئيس.

–     لم نسمع احتجاجات جادَّة من أيٍّ من الأطراف، فقد أُزيحَ حجر العثرة الأكبر من الطريق. فبالطبع يريد الأتراك حفظ ماء الوجه، ولهذا لمْ يُسمح للأكراد (حتى اللحظة) المشاركة في المباحثات. أمَّا بالنسبة للخروق التي يتعرَّض لها نظام وقف إطلاق النار فقد وُجِّهت أصابع الاتهام صوب حزب الله، ومع ذلك تبقى معضلةٌ يجب التعامل معها، إذ أصبح من الضروري التعامل مع حزب الله تعاملًا مستعجلًا، وهذا بالتحديد ما دفع بوزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو إلى القول:” من المهم جداً المشاركة الإيرانية الفاعلة في مستقبل الحفاظ على نظام وقف إطلاق النار”. ومن جانبهم، ولتسهيل الأمور، وافق الأتراك على تشكيل لجنة ثلاثية بمشاركة أكبر منافسيها الإقليميين(إيران)، وهذا يعد كافيًا في الوقت الراهن.

–     الأسد لا يثق بالأتراك، ومقاتلو المعارضة المعتدلة لا يثقون بإيران. ويذلك تصبح روسيا في هذه الأحوال الضامن الوحيد وحلقة الوصل التي تلائم الجميع عمليَّا.

–     بعد انتخاب الرئيس دونالد ترامب، اتخذت الولايات المتحدة موقفًا انتظاريًا، مكتفيةً بتكليف سفيرها إلى أستانا حضور المباحثات بصفة مراقب، ومن المهم التذكير أنَّ إدارة دونالد ترامب ألمحت بوضوح إلى أنَّ الدولة الإسلامية في العراق والشام ليست مشروعها هي، وأنَّ أوباما زوَّد الإرهابيين بالسلاح عبثًا، وأنَّ أنصار تنظيم القاعدة سيشغلون مكان الأسد في حال رحيله، إضافةً إلى ذلك، لم تستبعد الإدارة الأميركية الجديدة القيام بعملياتٍ عسكريةٍ مشتركة بين الولايات المتحدة والقوات الجوية الروسية.

–     تظل المسألة النووية الإيرانية، التي أبرم أوباما صفقتها، الموضوع الأكثر تعقيدًا بالنسبة إلى ترامب. إضافةً إلى ذلك، أعلن المعتدلون السوريون أنهم سيقومون بالقطع مع “جبهة النصرة”، بعد انسحاب الفرق العسكرية الإيرانية من سورية، وهو ما ترفضه إيران رفضًا قاطعًا.

وفي المناسبة، يُظهر تاريخ الحروب الأهلية (بما فيها أوكرانيا المعاصرة) أنَّ المعتدي العنيد يتحوَّل إلى ظبيةٍ وجلةٍ عند أولِّ هزيمةٍ جديِّة، لهذا؛ وعند الضرورة، يمكن أن تتغيَّر نظرة المقاتلين إلى إيران نحو الأفضل. والطرق معروفة.

وبما أنَّ إبعاد الذباب عن القصعة، أي المعتدلين عن “غير المعتدلين”، أو “البروليتاريا عن البرجوازية”، كما حصل في تركمانستان بداية القرن الـ 20، هو أمرٌ مبدئيٌّ وأساسيّ. ولهذا، رأينا في البيان الختامي الصادر عن لقاء أستانا، إلى جانب تأمين وحدة وسلامة الأراضي السورية، بندٌ أساسيّ آخر، يقول بفصل المعارضة المعتدلة عن الإرهابيين.

نحن لا نعرف الكيفية التي ستتم فيها عملية الفصل بين المعتدلين عن غيرهم، ولكنْ بالإمكان تقديم بعض المقترحات المستنبطة من التاريخ، كتجربة الرفيق “فرونزيه” التي ترشدنا بشكلٍ ما. سبق أنْ استخدمت هذه التقنية بنجاحٍ في التاريخ الروسي المعاصر في أثناء الحرب الشيشانية. وليس سرًّا أنَّ السياسي المحترم، ورجل الدولة الكبير رمضان قاديروف كان يقاتل في أثناء الحرب الشيشانية الأولى في صفوف أبيه، المفتي إيتشكيري أحمد حاجي قاديروف الذي كان أحد كبار قادة الحركة الانفصالية في الشيشان.

إلّا أنَّ تصاعد الوهابية (نظير تنظيم الدولة الآن) التي كانت في صراعٍ مع الصوفيَّة (الطريقة القادرية) التي كان يدعو إليها قاديروف، دفعه في عام 1999 إلى الانتقال إلى جانب السلطة الفيدرالية في موسكو. فيما بعد، اتفق رمضان قاديروف مع المقاتلين “المعتدلين” على الانتقال إلى جانب “السلطة الشرعية” (وفي عام 2003، كان هؤلاء المعتدلون يشكلون قوام قوات أمن الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف)، وسحقوا “غير المعتدلين” بلا رحمة. وفي نتيجة الأمر، باتت جمهورية الشيشان واحدةً من أكثر الجمهوريات هدوءًا في شمالي القوقاز، وتتمتَّع في الوقت نفسه بديناميةً تطورٍ هي الأبرز في المنطقة كلِّها.

من سيكون قاديروف في سورية؟ يبقى هذا السؤال مفتوحًا.

قاديروف سورية يمكن أن يكون ممثل “جيش الإسلام”، محمد علوش، الذي لُمِعَّ أخيرًا، ويمكن ألَّا يكون.

لا يتعلق جوهر الأمر بالاسم، بل بالأوضاع الفريدة التي تشكَّلتْ في العالم، وتدفع إلى وقف المقتلة السورية المستمرة منذ سنوات عدة، ولدى روسيا تجربةٌ غنية وناجحة في تهدئة الأزمات في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، ما يتيح لها بلا أدنى شكٍّ (إن تمكَّنتْ هنا من النجاح) تكريس قواها ومواردها للانخراط بفعاليةٍ أكبر في عملية السلام الخلَّاقة في مناطق أخرى من العالم، هي أقرب وأّهم لموسكو بكثير

 

اسم المقال الأصلي Кто станет сирийским Кадыровым?
اسم الكاتب بافل فولكوف Павел Волков
مكان النشر صحيفة فزغلياد
تاريخ النشر 26 كانون ثاني 2017
رابط المقال http://www.vz.ru/opinions/2017/1/26/855155.html
المترجم سمير رمان

مقالات ذات صلة

إغلاق