تحقيقات وتقارير سياسية

“داعش”… جسر النظام وروسيا من تدمر إلى جنيف

طالب وفد النظام السوري بإدراج بند الإرهاب على ما اقترحه المبعوث الدولي إلى سورية، ستيفان دي مستورا من سلال للتفاوض في جنيف، ولقيَ مقترحه دعمًا مباشرًا من شريكه الروسي.

في أثناء ذلك كان لافتًا ما جرى في مدينة تدمر، فقد دخلت قوات النظام وميليشيا “حزب الله” اللبناني في 1 آذار/ مارس الجاري، أي بالتوازي مع طلب النظام في جنيف بتبني بند الإرهاب بالمفاوضات.

قبل نحو عام، أي في آذار/ مارس 2016، دخلت قوات النظام مع الميليشيات الإيرانية، وبعض الضباط والعناصر الروس مدينة تدمر، وترافق ذلك مع حملة إعلامية كبيرة قامت بها ترويكا -الأسد بوتين خامنئي- توّجتها وزارة الدفاع الروسية باستعراض موسيقي في تدمر.

قبل نهاية عام 2016 بأيام، جرى الإعلان عن دخول تنظيم الدولة الإسلامية لمدينة تدمر، وانسحبت قوات النظام، ومن معها من المدينة، وحصل التنظيم بعدها على كميات كبيرة من الأسلحة الروسية والذخائر المختلفة، وتمدد نحو حقول النفط والغاز.

لم يمض على ذلك ثلاثة أشهر، حتى دخلت قوات النظام والروس وميلشيا “حزب الله” تدمر، بصفة “الفاتحين المنتصرين”، ولم تسجل أي خسارة تذكر، ولا أي معركة على طريقة ما يتم تصويره بالموصل وغيرها.

قبل انطلاق مباحثات أستانا في 23 كانون الثاني/ يناير الماضي، حرك تنظيم الدولة عناصره في محيط مطار دير الزور العسكري، وقصف النظام كثيفًا أحياء دير الزور الواقعة تحت سيطرة التنظيم، عدة أيام متتالية، واستمر النظام بالضخّ الإعلامي لتلك “المعركة” حتى انطلاق المباحثات في أستانا، وقد دفع المدنيون ثمن تلك المسرحية، التي أصبحت مثيرة للاشمئزاز بين الجانبين.

استهوت هذه اللعبة روسيا، وأعلنت منذ أيلول/ سبتمبر 2015، عن تدخلها العسكري لدعم النظام ضد التنظيم، ولكن التقارير الدولية والمحلية بيّنت أن روسيا لم تحارب التنظيم، بل استهدفت المدنيين في عدة محافظات.

في جنيف 4، عزف الثنائي المتناغم -وفد النظام والراعي الروسي- على ذات النغمة، تمامًا كما جرى في أستانا، حيث القفز فوق كل المواضيع، بما فيها قصف المدنيين والنقاط الطبية والإغاثية للاختباء خلف بند الإرهاب.

يدرك العالم أن المعارك الحقيقية في سورية، ضد التنظيم، تخوضها فصائل المعارضة وحدها، وفي أكثر من موقع وجبهة، بينما عملية “المُساكنة” بين قوات النظام والميليشيات الإيرانية من جهة، و”داعش” من جهة ثانية، موجودة من القلمون شمالًا إلى جنوب شرق العاصمة دمشق، وريف درعا، وبادية السويداء الممتدة نحو بادية حمص، وفي بعض مناطق الحسكة وحلب وصولًا إلى دير الزور والرقة.

لماذا الآن ينسحب التنظيم من تدمر لصالح النظام ومن معه، وهل كان دخول التنظيم إليها في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، من أجل هذه اللحظة في جنيف، ضمن تخطيط روسي كون أميركا لم تعط قرارًا نهائيًا بضم الروس إلى حلف محاربة الإرهاب.

إضافة إلى ذلك؛ فإن سِلال دي مستورا الأربع، وهي البحث في مسألة حكم ذو صدقية وغير طائفي” وكيفية “صوغ الدستور”، و”تنظيم انتخابات نزيهة” تشرف عليها الأمم المتحدة و”مكافحة الإرهاب” التي أضيفت أخيرًا.

تلك السلال بما تحويه هي بالضرورة على عكس رغبة النظام ومدخل لتقليم وجوده، فلا البحث بحكم غير حكمه يلائمه، ولا البحث في دستور يغير بنود دستوره التي وضعها لأجل بقاء الأسد، ولا أي انتخاب بإرادة وإدارة دولية تناسبه، فهي ستضمن مشاركة كافة السوريين الذين جرى تهجيرهم وعددهم يفوق 10 ملايين.

على هذا يمكن السؤال: أين سيعلن النظام حضوره بغير هذه اللعبة، التي راكم فيها خبرة نوعية، من هنا يأتي سياق عملية تدمر وترتيب توقيتها مع “جنيف 4″، ولهذا على الجميع توقع معركة ما على طريقة تدمر، ربما في دير الزور تترافق مع الجولة المقبلة من جنيف.

مع تواتر الحديث عن معركة الرقة، بدأ النظام يُحرك أدواته ليعلن نفسه شريكًا للتحالف الدولي، بل قدم رسالة واضحة عن لسان الأسد نفسه للرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، عن استعداده للمشاركة في قتال “داعش” سورية.

الأمر عينه ينطبق على تحرك أدواته عندما تقدمت قوات “درع الفرات” في الريف الحلبي، وشعر أن المعركة أصبحت جادة، فتحرك وحرّك ميليشيا “وحدات حماية الشعب” الكردية لكي يساوم بطرق جديدة.

ليس ذكاء النظام السوري، ولا عبقرية السياسة الروسية، هي التي تعطيهما تفاصيل المراوغة بالسياسة واختلاق مواقف ومفردات، تساعدهما في التلاعب بالبوصلة العامة وتحييدها، بل إن تواطؤ السياسة الدولية معهما هو الذي يعطيهما تلك المساحة.

مسرحية تدمر، ومسرحية إضافة بند مكافحة الإرهاب في مفاوضات جنيف 4، والتسويق له كأولوية كما دعا نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف، لا تقلّ هزلية عن الحرب الكونية على الإرهاب، في ظل أنظمة قتلت من شعوبها في بيوم واحد، ما لم يقتله أكبر تنظيم إرهابي في العالم على مدى سنوات، لتحظى أخيرًا برعاية دولية ويتم دعوتها للمشاركة بصياغة دستور، وانتخابات، وحكم، بينما دماء ضحاياها تملأ الأماكن والشاشات والأرشيف الأممي ذاته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق