هموم ثقافية

ما المكان؟

ما المكان، سوى أصدقاء قريبين، حميمين، أوفياء لروحك لحظة انكسارٍ، ولمساندة تماسكك في معتقل، ولإرواء يباس حياتك في فترات جفافها؟

وما المكان، سوى أحبَّة، عاشقات، عاشقون، حضورهم فيك أقوى وأدفأ من سريان دمك في عروقك، ودفئه؟

وما المكان، سوى جارٍ لك، أو جارة، ترسل له، أو لها، تحيّة الصباح أو المساء، فيُجيب، أو تُجيب، بتحيّة أعطر منها، وأندى، وأشهى؟

وما المكان، سوى بائع الخضار -جوار بيتك- يجمّع حمرة التفاح، إلى توهّج اللون البرتقاليّ، وإلى الأخضر اليانع؛ يدعوك إلى قهوته فتهرع مسبوقًا بتعطّشك؟

وما المكان، سوى النَّاس، ناسك، أولئك الذين في المدن، وآخرون في البلدات والقرى، من الجهات الأربع، يحملون نبرة صوتك، وحميّة قلبك، ونبض دمك، وودّك، فتشعر بالغبطة لكونك التقيت بهم، وتعرَّفت إليه، كشعورهم بالغبطة كونهم التقوا بك، وتعرَّفوا إليك؟

وما المكان، غير الذي فيه التقيتَ مَنْ التقيت، وعانقتَ مَنْ عانقت، وقبَّلتَ مّنْ قبَّلت، وتسامرت مع مَنْ تسامرت، وكافحتَ إلى جانب مَنْ كافحت، وسُجنتَ مع مَنْ سُجنت؟

السجنُ مكانٌ أيضًا. هل تتوق إلى دخوله ثانية -بعد أن غادرتَه أو سمحوا لك بمغادرته، وانقضت سنوات على زجّك فيه- والمكوث فيه مجدَّدًا، التمشية عبر باحاته، ودهاليزه، والنوم داخل أقبيته، والصحو على أصوات سجّانيه، أو صمت فضائه، أو صراخ ألمك وهو يطاول ما بعد عنان السماء؟

وما المكان -في الذاكرة- بعد أن صُيّرَ توأمًا للخشية والقلق والتوجّس والريبة والخوف والفزع والرعب والهلع؛ فإذا ما كان يُطرق بابُ بيتك -ولو في عزّ النهار- على غير موعد لديك، لا بدَّ أن يجفل قلبك، وأن تسارع إلى تذكير زوجتك بأسماء مَنْ يجب عليها أن تأمن لهم وتراجعهم في كلّ شؤونها، إذا ما حدث وطال غيابك لسنوات بعد قيامك بفتح الباب؟

وما المكان، حين يُسلب من ناسه وأهله، ويُلحق بخاطفه، -بما فيه، وبمَنْ فيه- تسلّطًا وقهرًا وقمعًا، ويُلحق إلحاق المملوك باسم المالك، كمزرعة الأسد، ومال الأسد، وسورية الأسد؟

ما المكان، الذي تُصيَّرُ -وأنت فيه- سبيًا، أو شاة، أو دابَّة؟ يملك مغتصب المكان، برعاية وعناية دول العالم -وما فوق العالم- أن يحييك ويُميتك، شنقًا أو سحلًا أو تغييبًا… أو ما طاب للمالك المغتصب الهوى؟

وما المكان، سوى أمنك فيه، وفيه أمانك، وكرامتك، وحريّتك، وعزة نفسك، وطمأنينة روحك، وهناء بالك، وكفاية عيشك، وضمان صحتك وصحة أسرتك، وحفظ شيخوختك من العوز… وإلى آخره، إلى آخره.

مخافر الشرطة، المؤسسات الاستهلاكيّة، النوادي الرياضيّة، أكشاك وكوى أفران بيع الخبز، بناء السجلّ المدنيّ، باحات المدارس الابتدائيّة والإعداديّة والثانويّة، الصفوف بجدرانها المطليّة بصور القائد الخالد، دوائر الهجرة والجوازات، الأرصفة المحفَّرة منذ الحركة التصحيحيّة، الشوارع المحدّبة المقعَّرة بمصارف المياه، وحدات توزيع الأرزّ والسكّر والزيت وغيرها من الموادّ المقنَّنة توفيرًا للمجهود الحربيّ بغية خوض معركة المصير مع العدو الصهيوني؛ هذي -وغيرها الكثير- أمكنة أيضًا، فهل تشتاق إليها، وتحنُّ؟

إنْ كان على النهر فهو نهر. وإنْ كان على البحر، فهو بحر. وإنْ كان على الشجر، فهو شجر… والعشب عشب، والجبال جبال، والهضاب هضاب، والوديان وديان، والقمر قمر، والشمس شمس.. وإلى آخره أيضًا وأيضًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق