أدب وفنون

حارس الموتى.. الروائي جورج يرق

هل انتهت الحرب، أو هل تنتهي فعلًا، إنها تنتهي على الأرض، ثم تبدأ عملًا آخر في ذواتنا؟ هذا التساؤل طرحه الروائي اللبناني، جورج يرق، في روايته حارس الموتى، الرواية التي بدأت من الضيعة، حيث يتحدث الراوي بصيغة المتكلم، على لسان بطله، عابر ليطاني، الشاب الذي يهوى الصيد، ويجد نفسه متورطًا في لحظة جعلته شاهدًا على جريمة قتل، فيضطر للهرب حفاظًا على حياته، ليقصد بيروت الغارقة في الحرب والدم. هناك يواجه التحول الثاني؛ حيث التقطته إحدى الميليشيات، لينضم إليها ويتحول إلى قاتل حقيقي.

في عالم الثكنة، حيث الخطف والرعب والاغتصاب، يقابل عابرُ نابليونَ قائد الثكنة العسكرية السادي، وأبو فهد القناص الذي يتلذذ بقتل الناس، وعزيزي الذي كان خطيبًا متفوقًا في مراحل دراسته، قبل أن يقدم حياته ضريبة لمعرفته الواسعة التي سجلها في مذكراته، ويواجه دومينو السكير والراهبة الجميلة التي تزوّر أغلفة الأدوية الممنوح كهبات، لتبيعها للمرضى بثمن باهظ.

يقول الروائي: “لا أحد من شباب الثكنة بلا اسم حركي، أسماؤهم الحقيقية لا يعرفها أحد وهوياتهم لا تخرج إلا لضرورات إدارية، ويمنع تداولها –وبخاصة- خلال المهمات والمعارك، وقد اتخذتُ اسم عتريس، اسمًا حركيًا لي”.

يغادر عابر ليطاني الثكنة عندما يرفض أن يعمل قناصًا يصطاد الأبرياء، ولا يجد فرصة للعمل إلا حارسًا لثلاجة الموتى، حيث أصبحت المهمة الموكلة إليه ترميم الجثث وتسليمها إلى ذوي المتوفي. يصبح البراد هو الوجه الآخر للثكنة حيث الموت.

يقول عابر: “أتأمل الجثث التي لم يأت أحد لاستلامها وقد بدأت بالتحلل، وبدأت آنس إلى وجوه أصحابها، إلى ثيابهم على الوضع الأخير الذي استقروا عليه. أحفظ ملامح كل جثة وأحفظ التغيرات التي يمكن أن تطرأ عليها لاحقًا. أحفظ ملامح كانت تضج بالحياة والعافية ثم راحت تذوي حتى مال لونها إلى الصفرة المتشحة بالأزرق. هذا المزيج الذي بت أكرهه، ويمثل ذبول الجسد وتحلله”…. “هنا راودتني فكرة غريبة؛ أن أسرق جثتي وأرسلها إلى “أبو الوليد” في نعش وهناك -في الضيعة- يقومون بالواجب، لكن هل يعقل ألّا أحضر جنازتي -أنا المعني الأول بالموضوع-!؟ لولا الخوف من أقاويل الناس لما شاركت، لكن خوفي من دموع أمي جعلني أعدل عن الفكرة”.

تنتهي الرواية بعابر ملقى على جسر، بعد تعرضه لعملية خطف وتعذيب، ملقى على جسر، ما بين الموت والحياة، نهاية مفتوحة على كل الاحتمالات. رواية أدرجت ضمت القائمة القصيرة لجائزة البوكر، إنها -وبحق- شاهد على حرب لا تسمح بنجاة حقيقية في بلاد تحولت إلى مقبرة واسعة، ولا أرشيف لخساراتها المتعددة.

مقالات ذات صلة

إغلاق