سورية الآن

في خدمة إسرائيل

لم يخرج التهديد الإيراني الجديد بتدمير أهداف استراتيجية وكبرى في إسرائيل (وفي غضون دقائق معدودة!) عن سياق المبالغات المألوفة في خطاب كبار القادة في طهران، والذي لم يخدم في خلاصته أحداً، بقدر ما خدم إسرائيل!

سياق هائج مستمر منذ انطلاقة الثورة الإيرانية قبل أربعة عقود إلا قليلاً، أوصل خارج سردية خدمة إسرائيل، الى النكبات الجاريات الساريات السارحات قبلاً وراهناً في عمق الاجتماع العربي والإسلامي، ليس إلاّ! بحيث أنّ المعادلة التي تبنّاها قادة إيران، وأثبتت جدواها بالنسبة الى قياساتهم التفكيرية، هي: تهديد إسرائيل بالكلام، وتحطيم محيطها المعادي عملياً وحرفياً!

وفي موازاة ذلك، كانت المعادلة التي استمرأتها إسرائيل هي التفرّج من بعيد على «الطرقات» التي يشقّها الإيرانيون وأتباعهم الى القدس.. عبر صنعاء وصعدة والبصرة وبغداد وحلب وبيروت! ثم التدخل بين الفينة والأخرى لـِ«تذكير» ذلك الحشد الزاحف ومرشديه الى حقيقة أنها (إسرائيل) لا تزال في مكانها! وأنها في واقع الحال تتمدد على حساب ما بقي من حقوق فلسطينيّة! وأنها بعد ذلك، تفتقد أو تشتاق الى وعود الإمحاء والإفناء والرمي في البحر التي تطالها!

مهمة ذلك «التذكر» تدلّ على الفارق الجوهري بين العقول الاستراتيجيّة التي تقبض على مواقع السلطة والقرار والإرشاد في طهران من جهة، وفي تل أبيب من جهة أخرى. بحيث أنّ إسرائيل كانت تطلق بين الفينة والأخرى، موقفاً أو معلومة أو رواية في شأن مشروع إيران النووي! وتُرفق ذلك بسيناريوهات استهدافيّة لمنشآته! وكان ذلك يكفي كي تنطلق سمفونيّة الإفناء من إيران على غاربها! وفي كل مرّة، كان محمود أحمدي نجاد (خصوصاً وأكثر من غيره) يطلق ترنيمة محوها من الوجود، كانت هي (إسرائيل) تحصّن أوراقها التالفة إزاء عملية السلام مع الفلسطينيين! وتتملص من الضغوط الأميركية والأوروبية (الحقيقية) عليها وتعيد «النقاش» مع الغرب ومجتمعاته، الى المربع الأول المبني على سيبة أنها مهدّدة بالفناء! ومحاطة بأعداء سيرمونها في البحر.. وسيفعلون بها ما لم يقدر هتلر على فعله حتى النهاية! وأن القضية الأساس ليست حقوق الفلسطينيين والعرب وإنما أمنها المهدد في كل حين!

في العدّة المستخدمة في نزاع العقول هذا، تكمن تلك المفارقة الذكية التي أطلقها مرة السفير جوني عبده: إسرائيل تمتلك أكثر من مئتي رأس نووي لكنها تلعب دور الضحية وتتحدث عن رغبتها بالسلام! في حين أنّ إيران لا تملك قنبلة (إفنائية) واحدة لكنها لا تتحدث سوى عن «محو» إسرائيل من الوجود والتركيز على أنها غدّة سرطانيّة لا بدّ من استئصالها.. إلخ!

ولا يختلف جنى مضمون المبالغات عن شكلها، بحيث أن إيران لا تطلق صيحات «الحساب الأخير» إلا إذا هاجمتها إسرائيل مباشرة! وهذا شرط ينفي، في بداية المقام وآخره، كل شعارات «الثورة» ومبادئها وتوعّداتها. كما ينفي مقومات اتهام العرب بالتخاذل والبحث عن تسوية! والمزايدة عليهم! أي أنّ إيران تقول، إنّ كل ما فعلته إسرائيل في حق فلسطين والفلسطينيين والعرب والمسلمين لا يستدعي الرد الساحق والماحق (الموعود) عليها، بل إنّ ذلك يصبح وارداً فقط، إذا تعرّضت هي (إيران) الى هجوم ضد منشآتها العسكرية والنووية!

فلماذا إذن لا تترك العرب وشأنهم في هذا النزاع؟ ولماذا تتّهمهم بالعجز وهي أكثر عجزاً؟ ولماذا تعتمد قضيّتهم المقدّسة شمّاعة لطموحاتها ومشاريعها و«قضيتها» الذاتيّة والخاصّة؟ ولماذا لا تلتفت الى مشاكلها الداخلية قبل أن تدّعي قدرتها على حل «مشاكل» «الأمّة»؟! ولماذا تؤثر الشكل على المضمون؟! والإدعاءات على الحقائق؟!

(*) كاتب لبناني

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق