سورية الآن

“سامحنا يا ريس”…حسني مبارك طليقًا

أنا كاتب هذه الكلمات، ومعي ملايين العرب الذين يشبهونني، أناس أعمى بصيرتنا الحنين إلى بساطة الحياة، كي نعيشها دون تكلّف أو خوف أو قلق من المجهول.

نحن البسطاء الأشقياء، لأجل أنانية أهدافنا، وسواد رؤيتنا لضرورة أن نلتحف القانون، ونستمتع بالصباحات والمساءات مع من نحب، ونزور الحدائق بلا تلصص المخبرين والعسكر، ونستمتع بالأسواق بلا تحرش العاطلين عن العمل، وننام آمنين على مساحة الأمل.

نحن بسطاء الشرق الأوسط الحالمين بالحرية، نقرّ ونعترف علنًا، ونحن بكامل قوانا العقلية والبدنية والروحية المتبقية، بأننا قتلنا الأوباش المتظاهرين في ميدان التحرير في مصر، وغيره من الميادين، وها نحن أمام قاضي القضاة نقول “سامحنا يا ريس”.

في جوار النيل العظيم، وقاهرة المعز، حكمت “محكمة النقض المنعقدة في أكاديمية الشرطة، أمس الأول (الخميس)، ببراءة الرئيس الأسبق، محمد حسني مبارك، في قضية قتل المتظاهرين”.

كان اسمها “محاكمة القرن” وانتهت بخبر ليس عاديًا، في شرق أوسط استثنائي، وفي ظل بنية عالمية أخرجت أحطّ ما يمكن أن يأتي به تاريخ الإنسانية، من بنية سياسية وقانونية وأخلاقية، إذ تحكمه رتابة القتامة التي أفرزت كل هذا الغثّ، ليتسلل إلى أبسط تفاصيل يومياتنا ويفسدها.

نحن البسطاء الذين حُرمنا من نعمة الانتماء إلى بقعة جغرافية تُسمى الوطن، وإلى بيت نملك بابه، وعمل يحمي كراماتنا، طحنتنا الحياة على أبواب اللؤماء، ونظرات المغرورين ككل البالونات التي يمكن أن ترتفع عاليًا بأي هواء فاسد يملؤها.

نحن الذين قال عنهم معمر القذافي “من أنتم”، أيها “الجرذان”، ليجيبه بشار الأسد من مدرج أعتق جامعات الشرق الأوسط بدمشق “إنهم الجراثيم”.

في مصر “أم طرحة وجلابية”، من الطبيعي أن يستبق هذا الحكم على مبارك قبل أيام، المتحدث باسم خارجيتها، أحمد أبو زيد، ليقول تعليقا على قرار مجلس الأمن حول سورية: إنه لا يوجد دليل على استخدام حكومة الأسد للسلاح الكيماوي، ومن الطبيعي أن يعثر السوريون بين بيوتهم على بقايا صواريخ مصرية الصنع، فموت روح الثورة في مصر، يعني أن يتكاتف كل الجهد لخنقها على الضفة الأخرى للمتوسط؛ في سورية.

إنها “محاكمة القرن” لكنها بحقنا نحن (مجاميع “الجرذان” والجراثيم”، و”الحَوش” و”الشوارعية”) وأصحاب العاهات الولادية، القُصّر عن تحمل مسؤولياتنا، والعاجزين عن إدراك الأبعاد والمسافات والمخاطر والألوان، بسبب خلل دماغي ربما بالوراثة، حيث الأدمغة السليمة حصرية هناك لدى حراس الأمن والأمان، نجباء التاريخ والجغرافيا والهواء.

أخطأ من بيننا البو عزيزي، حين احتج على صفعة أكلها، لاحتجاجه على مصادرة “بسطته” البسيطة، فألهمنا بفعلته، ككل المجانين، بأن نحتج على استئصال بساطتنا من بين عيوننا، وعدّها زائدة دودية، وزرع مكانها خيوط البلاهة.

محاكمة مبارك لم تكن له ولمن معه، ولا لحبيب العدلي، بصفته وزير داخلية، إنها “محاكمة القرن” لشعوب بأكملها، وهي لم تبدأ بتلك الجلسات التمثيلية منذ إيداعه السجن، بل ابتدأت منذ أن سطا العسكر على أنفاسنا وشرايين قلوبنا قبل عقود، واستُتبعت حين رُمي في وجهنا حسن نصر الله، وأسامة بن لادن، وغيرهما ممن توّجوهم ولاة قضايا تحررنا، من رجس أي حلم نفكر فيه، بعدّ أن مصدره الشيطان الرجيم، فأخذوا مهمة تعليمنا وتلقيننا طرق الانتماء والأخلاق والدين، ليستكمل دربهم الظواهري والبغدادي والجولاني وأبو القعقاع وأبو مصعب.

يغدقون عليهم المال والصحافة والسبايا والأحلاف، وعلينا نحن البسطاء البلهاء، أن نقتنع أن كل تلك الأحلاف، عاجزة عن قهر قوتهم الضاربة في الأرض عمقًا، وفي الفضاءات انتشارًا.

محاكمة مبارك كانت لتمهيد الطريق، لإخراج جثث شهداء الربيع العربي من قبورهم، كي تصطف على أبواب قصور الأولياء الصالحين وتقول “سامحنا يا ريس”، والريس هنا متمدد ومستنسخ في كل الاتجاهات، ليقف الشهداء أمامه طابورًا طويلًا، ليعترفوا بسر موتهم الفجائي بسكتة، أو انتحارهم الجماعي، أو قتل أمهاتهم لهم، طابور نهايته يجب أن تراها أجيال مقبلة، كي تتعلم سر الصمت الطويل.

ست سنوات ومبارك يتنقل بالمحاكمات، من محكمة إلى أخرى، وست سنوات والأسد يحرق الأخضر واليابس والأرواح، بأسوأ حرب إبادة عرفها التاريخ، يُغرق العالم باللاجئين، ويُستَقبل مبعوثه على السجاد الأحمر في جنيف، بعدّه رجل سلام، بل يحتج على أمم الأرض، لما لا يساعدونه في محاربة الإرهاب.

ست سنوات يرعى فيها قادة العالم الحر، ونصف الحر، ووكلاؤهم في الأرض، أساليب القتل والقتلة، وخطط الثورات المضادة، فهل سيُدعى الأسد ليخطب في قاعة الأمم المتحدة، حكيمًا من حكماء الأرض، ليكتمل المشهد بعظمة مفارقاته، ويصفق له القادة، ويُحاكم القتلى واللاجئون، ويجري تشريع الكيمياوي أمميًا، بل والنووي إن استطاعوا إليه سبيلًا.

ست سنوات يُرتّب أولئك القادة الحكماء، شكل منصات الإعدام للشعوب، ويحاولون شد حبل المشنقة على آخر صوت يمكن أن يصرخ “لا”، ولكن يبقى السؤال الأهم، هل ابتدأت الثورات حقًا، وهل هي ربيع في ظل الموت، أم إنه زلزال يئن ويتحرك في باطن المنطقة، وما زالت ارتداداته تحوم هنا وهناك، وقريبًا سيبتلع الساسة ومحاكمهم ودساتيرهم وقوانينهم ودور إفتائهم، ليؤسس لعالم أكثر عدلًا وحكمة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق