ترجمات

هل يمكن للشعبوية أن تستولي على باريس؟

مارين لوبان، الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة في فرنسا، لديها فرصة للفوز في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الشهر المقبل. جان فرانسوا مونييه /وكالة فرانس برس -صور غيتي

لبعض الوقت -الآن- تشعر كما لو أنَّ الله، أو حلمٍ من التاريخ، أو خالق كون مادي يتلاعب بصنعته، له بصمات على موازين السياسة الغربية، متطلعًا إلى تحقيق النتائج الأكثر تخريبيةً وغرابة على ما يبدو.

من صدمة بريكزيست (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي) إلى صعود دونالد ترامب (وأود أن أعود لأبعد من ذلك لأشمل استقالة البابا، بنديكت السادس عشر، وتنصيب البابا فرانسيس)، كلها حوادثٌ بدتْ مخططةً؛ لكي تحيّر الخبراء، ومهما كانت النجوم التي تحتاجها؛ حتى تنسجم مع أشياءٍ مجنونة ستحدث، فقد سَكَنتْ بذكاءٍ في الموضع المطلوب. ما لمسه الليبراليون في تشرين الأول/ أكتوبر، وأوائل تشرين الثاني/ نوفمبر، وهم يراقبون أنتوني وينر (عضو مجلس نواب أميركي سابق) ينفجر مثل بندقية تشيخوف (إشارة إلى عنصر الإثارة التي تظهر أهميته فيما بعد) وجاذبية ترامب لمجمع انتخابي مباشرة، كان ما لمسه المحافظون في أكثر الخطوات بطئًا عبر موسم رئيسهم: إحساسٌ جليّ بأنَّ ما كان يبدو مستحيلًا صار واقعًا، بطريقةٍ أو بأخرى، والفرار منه صار متعذرًا.

قريبًا سنشهد اختبارًا آخر لهذا النمط غير المرجح: الانتخابات الرئاسية الفرنسية في الشهر المقبل، ومن المرجح أن تنهيها مارين لوبان، من الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة، في الجولة الأولى من الاقتراع.

في قديم الزمن يمكن لهذا وحده أن يكون زلزالًا، لكننا تجاوزنا هذه المرحلة، فالجميع يقرّ بأن لوبان ستكون في الدور النهائي، والسؤال الوحيد هو: ما إذا كانت لديها أيّ فرصةٍ للفوز بالانتخابات.

من السهل أن تجادل بأنها لن تصل، لقد قطعت الجبهة الوطنية شوطًا طويلًا منذ لوبان الأب، الفاشي الأحمق، جان ماري، الذي وصل -بطريقةٍ ما- إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في فرنسا عام 2002، وخسر بـفارق 64 نقطة مقابل جاك شيراك، ولكن يبدو أنَّ هناك سقفًا لدعم الجبهة الوطنية، وميل الناخبين السائد إلى أن يصوتوا -تكتيكيًا- ضد اليمين المتطرف في انتخابات الإعادة، لا يزال دليلًا حاضرًا جدًا. في الانتخابات الإقليمية -عام 2015- فشل حزب لوبان في الاستفادة من أدائه القوي في الدور الأول، لم يرقَ إلى الرئاسات الإقليمية حتى في أقوى مواقعه. اليوم، تشير معظم استطلاعات الجولة الثانية إلى أنَّ لوبان ستخسر بفارق 40 نقطة، بغض النظر عن خصمها، ارتفعت النسبة قليلًا في الآونة الأخيرة في بعض الحالات، ولكن دائما كان الفارق 10 نقاط أكيدة عن صاحب الصدارة.

أيهما حسن وجيد، ولكن القراء سمعوا مثل هذه الكلمات المهدئة قبل وبعد جلوس دونالد ترامب في المكتب البيضاوي، لذلك؛ يبدو من المعقول -فحسب- البحث عن أدلةٍ على أنَّ فوز لوبان يُخطَّط له في مكانٍ ما من السماء، ولهذا السبب فالخبراء مرتبكون.

مثل هذا الدليل موجود، هناك، على سبيل المثال، لا وعي فرانسوا فيون، مرشح يمين الوسط المختار الذي بدا في وضعٍ جيد؛ لكسب الجولة الثانية، ويهزم لوبان تمامًا باستمالة أجزاء من خطابها… إلى أن بات متورطًا في نوع من فضائح النخبة الفرنسية، حول دفع رواتب من المال العام لأبنائه وزوجته.

هناك أيضًا حديث عن تذكرة انسجامٍ بين أجنحة اليسار المختلفة، ومرشحي اليسار المتطرف الذين إذا توّحد دعمهم، يمكن أن يكسبهم تذكرة إلى الدور الثاني، ويمكّن لوبان من أن تشتغل مباشرة ضد إرث فرانسوا هولاند، الرئيس الاشتراكي الحالي، وشعبيته الجوفاء.

وبعد ذلك؛ هناك أعمال الشغب التي اندلعت هذا الشهر في ضواحي فرنسا بعد مزاعمٍ عن وحشية الشرطة، تعطي لوبان المناهضة للهجرة، هذا النوع من الفوضى، والرسائل المتشددة على الجريمة، تتركها في وضعٍ جيد لتستفيد منه.

ما قبل أسبوع أو أسبوعين، لم يكن من الصعب أن نتخيل مستقبلًا، تكون فيه لوبان، بعد أن تكون قد فازت في الجولة الثانية، وجدت نفسها تواجه إما محافظًا يعاني من فضيحة، أو اشتراكيًا مسكونًا بـ هولاند، وسنحت لها الفرصة لتشتغل ضدهم، بينما حرق السيارات والتخريب يشغل الأخبار.

ومنذ ذلك الحين، وعلى الرغم من أنَّ المسرحية اتخذت منحىً مختلفًا، فبدلًا من التذكرة الموحدة التي تكلم حولها اليسار، هناك -الآن- انسجامٌ مكتشف حديثًا في الوسط التكنوقراطي؛ إذ ادعى المرشح المستقل، إيمانويل ماكرو، تأييد المرشح الرئاسي المتكرر فرانسوا بايرو. كان ماكرو الشاب، بخلفيته التجارية “البيزنس”، البعيد عن الموقف السياسي، تشبه أوضاع ترامب إلى حد كبير، بالفعل ينافس مباشرة ضد لوبان، أفضل من مرشحين آخرين، وقد وافق بايرو على أنه بالكاد يكون مساويًا لها في الجولة الأولى من الاقتراع أيضًا.

إذا دخل ماكرو بدلًا من فيون، أو اليساريين، الدور الثاني، فإنَّ مسار لوبان الصعب -بالفعل- سيصبح أكثر صعوبةً، بناءً على ما نراه في بيانات الاقتراع الآن، على الأقل، لكن ماكرو عديم الخبرة سياسيًا، ووسطيته هي السيّر على الحبل المشدود؛ في الآونة الأخيرة كان متورطًا مع اليمين، نتيجة وصفه الاستعمار الفرنسي للجزائر بـ “جريمةً ضد الإنسانية”، ومع اليسار لتواصله مع المشككين في الزواج المثلي،  ودعمه سياسة أنجيلا ميركل في فتح الأبواب أمام الهجرة؛ إذ قال -أخيرًا- بأنها(الهجرة) أنقذت “الكرامة الجماعية” لأوروبا، وهو نوع من المواقف التي يمكن أن تصبح مسؤوليةً كبيرة، وتزيد الاضطرابات، أو الضرباتٍ الإرهابية.

إنه من الخطأ -أيضًا- بشأن الأسس الموضوعية؛ لأنَّ سياسة ميركل كانت متهورة، ومشكلة الهجرة والاندماج في أوروبا شديدة، ومن المرجّح أنْ تزداد سوءًا، وتحذيرات لوبان الوخيمة حول هذه التهمة أكثر حكمة من التفاؤل اللامبالي للمؤسسة الحاكمة. أيّ نقطة ذات اختلاف مهمٍ بين مرشح الجبهة الوطنية، والشعبوية التي انتصرت في انتخابات الرئاسة الأميركية؛ هنا أفضل ترتيبًا، وأكثر انضباطًا، وأكثر دقةً في كثير من الأحيان.

قد يكون تشاؤم لوبان -بخصوص الهجرة الجماعية- خبيثًا جدًا، ولكنه تصحيح لازمٌ للميركلية (نسبة لميركل)، وأكثر معقوليةً بكثير في السياق الأوروبي من تحذيرات ترامب المبالغة من اللاجئين.

حديثها المختصر ضد حماقات اليورو يكاد يكون صحيحًا بشكلٍ لا ينازع (لأسبابٍ يمكنك أن تقرأ عنها على شبكة فوكس، وليس منصة بريتبارت).

وهكذا، في حين أنَّ من المحتمل أن تواجه لوبان مصاعب في هذه المرحلة، أبعد مما واجه ترامب في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، لكن لديها ميزة واحدة، تُضاف إلى أي تدبيرٍ أو عنايةٍ مساعدة غريبة قد تهديها في طريقها: لربما تستحق الفوز فعلًا.

 

 

 

 

اسم المقالة الأصلي Can Populism Take Paris?
الكاتب روس دوثات، Ross Douthat
مكان النشر وتاريخه نيويورك تايمز، New York Times، 01/03/2017
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2017/03/01/opinion/can-populism-take-paris.html?em_pos=small&emc=edit_ty_20170301&nl=opinion-today&nl_art=2&nlid=77714386&ref=headline&te=1&_r=0
ترجمة أحمد عيشة

مقالات ذات صلة

إغلاق