مقالات الرأي

كيف نقاوم روسيا في سورية؟

لا يحتاج المرء إلى أدلة كثيرة كي يدرك أن موسكو تقف كليًا إلى جانب نظام الاستبداد الأسدي، وأنها أحد أهم العوامل التي حالت دون سقوطه حتى اليوم، وليس أدل على ذلك من الفيتو الروسي/ الصيني الأخير في مجلس الأمن الدولي.

وأيضًا، لا يحتاج المرء إلى أدلة كثيرة كي يدرك أنّنا بتنا أمام انتداب ووصاية روسيتين، ليس على النظام السوري فحسب، بل على الدولة السورية وعلاقاتها وسياستها الخارجية وشكل نظامها ودستورها.

ولا شك -أيضًا- في أنّ المنطق السليم والرد الطبيعي على أمر كهذا هو المقاومة، فأيّ احتلال أو انتداب يواجه بالمقاومة، هكذا علمنا التاريخ، وهذا حق طبيعي، وواجب على كلّ شعب يريد أن يتحرّر من عبودية الاستبداد والاحتلال.

إلا أنّ التاريخ يعملّنا -أيضًا- أنّ أيّ مقاومة لا تأخذ العوامل الدولية والإقليمية والداخلية في حسبانها تتحوّل مع الزمن إلى استنزاف للشعب وقدراته، فعدالة القضية وحدها ليست سببًا للانتصار، ولنا في القضية الفلسطينية وقضيتنا السورية في مواجهة المستبد خير دليل، والمقاومة من أجل المقاومة فحسب، تصبح نوعًا من العبث، إن لم توظف في إطار مشروع وطني يقرأ ممكنات اللحظة سياسيًا وعسكريًا، من جهة، وإقليميًا ودوليًا، من جهة أخرى؛ ما يضعنا أمام سؤال: كيف نواجه المحتل الروسي حقًا في سورية؟ وكيف نذهب بسورية نحو دولة مدنية ديمقراطية ذات سيادة وطنية ومستقلة عن أية وصاية؟

قبل أن ندخل في تفاصيل اللحظة الحالية، قد يكون التاريخ مفيدًا: في عام 1916 انطلقت الثورة العربية الكبرى ضد الاحتلال العثماني، ليجد العرب أنفسهم تحت انتدابات إنكليزية فرنسية، بفعل الواقع الدولي الذي كان سائدًا آنذاك، ولتقع سورية تحت ظل الانتداب الفرنسي، ويبدأ السوريون ثورتهم السورية الكبرى (1925) ضد الفرنسيين، ولتهزم -أيضًا- بسبب الواقع الدولي آنذاك، إلا أنها أفسحت مجالًا للسياسة في الداخل، فراكمت قواها إلى أن أنجزت الإضراب الستيني (1936) الذي دفع المحتل الفرنسي نحو توقيع اتفاقية 1936 التي سعت فرنسا للتملص منها، فكان على السوريين الانتظار حتى 1946، أي لحظة ضعف فرنسا على المستوى الدولي؛ ليتضافر نضال الداخل مع لحظة خارجية ملائمة قادت إلى الاستقلال السوري.

نتعلم مما سبق أن أي مقاومة كي تنتصر تحتاج إلى نضال داخلي منظم وموحد، يتواقت مع لحظة خارجية ملائمة، أو واقع دولي يسمح للقوى الوطنية بأن تلعب على تناقضات القوى الدولية، وغالبًا ما تكون هذه اللحظة هي حرب عالمية، أو صراع قوى يشغل تلك القوى ببعضها، فتتقدم نضالات الشعوب نحو تحقيق أهدافها.

بالعودة إلى سؤالنا الأساسي: كيف نواجه موسكو؟

ما جرى في سورية ويجري فيها، يتقاطع في عدد من أحداثه مع تاريخ سورية القديم، فالسوريون الذين ثاروا ضد الاستبداد، وجدوا أنفسهم تحت وصاية إيرانية/ روسية؛ بفعل واقع القوى الدولية السائد، واللحظة الانتقالية التي يمر بها العالم من نظام قديم إلى نظام جديد لم يتبلور بعد.

على المستوى الأول، لا يمكن لقوى متفرقة ومشتتة أن تنتصر، هذا درس يعطى للأطفال في المدارس، فما بالك في السياسة؟ ويجب أن يجري العمل دومًا، ومهما وصلنا إلى قاع اليأس، على هذا المشروع. هنا يكمن فعل السياسة وإمكانياتها، أي: العمل على تدوير الزوايا والوصول إلى نقاط توافق. قد يكون مفيدًا هنا التذكير بأن المقاومة والقوى السياسية السورية في وجه المحتل الفرنسي، كانت منقسمة على ذاتها ومشتتة، ولم تتمكن من تحقيق الانتصار؛ حتى توحدت في مشروع وطني يواجه الانتداب.

على المستوى الثاني، لا بد من توحيد البندقية وتنظيمها وإبقائها تحت حيز السياسي، واستخدامها بما يضبط الإيقاع بين التفاوض وساحات القتال، فأقوال من نوع “القتال حتى رحيل المحتل”، و”لا حوار مع المحتل أو الاستبداد”، هي -في حقيقة الأمر- أقوال شعبوية لا تقدم ولا تؤخر أبدًا، فإذا لم توضع البندقية في خدمة التفاوض والسياسة، فلن تكون مجدية، ولن تقدم أي فائدة أو نصرًا، وهنا من الضروري الانتباه إلى أننا نواجه قوة دولية كروسيا، قوة لها كرامتها على المستوى الدولي، وينبغي خوض الصراع المسلح والسياسي معها من هذا المبدأ، وهنا قد يكون من المفيد جدًا تذكر ما قاله وزير الدفاع الأسبق، مصطفى طلاس، في حلقة تلفزيونية عن حافظ الأسد، حين عرض عليه توجيه ضربة عسكرية كبرى لأحد القوى الدولية في لبنان، فأجاب بما معناه: للقوى الدولية كرامة وطنية، لا ينبغي المس بها! والتفسير العملي لهذا الكلام أن رد فعل تلك القوة على حدث كهذا، سيكون أكبر من قدرة المقاومة على الرد، بما يعني أنه ينبغي خوض الصراع وفقًا لإمكانات المقاومة، وفي الحالة الروسية في سورية، لا بد من خوضها وفق مبدأ الاستنزاف، أي عدم ترك الروسي يرتاح ارتياحًا تامًا في سورية، عبر توجيه ضربات نوعية ومؤثرة، بالتوازي مع فتح مسار سياسي دائما، بحيث توظف نتائج المقاومة على الأرض في ساحات السياسة، لتحصيل الحقوق بالتقسيط، وعلى دفعات، انتظارًا للحظة ضعف روسيا على المستوى الدولي، وهي لحظة ستأتي دون شك، مع الأخذ في الحسبان المصالح الروسية، إن لم تكن تتضاد مع مصلحة الدولة السورية، وذلك عبر خطاب أو برنامج عمل يحدد مصالح سورية وسياستها الخارجية وفقا لهذا الأساس.

على المستوى الثالث: طبيعة ونوع القوى المقاومة والقوى السياسة تلعب دورًا بارزًا في إمكانية الانتصار أو الفشل، ففي لحظة دولية وإقليمية تعاني رُهاب الإسلامفوبيا تغدو أي من القوى التي تتخذ الطابع الديني/ الإسلامي قوى تقاوم في الزمن الخطأ، بغض النظر عن نبل خطابها أو انحطاطه، فهي في لحظة كهذه تخسر ضمنًا تعاطفًا دوليًا وإقليميًا هي بحاجة إليه، وهي ثانيًا تجعل قوة كروسيا تجعل من الإسلام السياسي عدوًا لها، تذهب نحو الجنون في التدمير، كما فعلت في الشيشيان، وهي تفعل ذلك في سورية اليوم، وهو أمر ليس وليد اليوم فحسب، بل طالما كان الإسلام السياسي بشكله المنتشر عربيًا الوجه الآخر للاستبداد، إذ صحيح أن الاستبداد وهذه القوى الدولية لا تحتاج إلى ذريعة، ولكن الصحيح أيضًا أن القوى الضدية للتغيير هذه تسهل مهمة الاحتلال والاستبداد في آن، الأمر الذي يعني أنه ينبغي تنظيم المقاومة والسياسة على أساس مدني ووطني، فكلما نجحنا في هذه المهمة، كلما كانت مقاومتنا فاعلة أكثر.

مقالات ذات صلة

إغلاق