كلمة جيرون

التّسافد بين المفعول به والمفعول له

لا توجد أنظمة عميلة كما يقال، بل هي أنظمة متخلفة ضعيفة وتابعة، أو وكيلة لدول عظمى؛ شاءت الأوضاع التاريخية أن تكون قوية ومؤثرة على الساحة الدولية.

قد يكون بعض أركان تلك الأنظمة أو جلّهم، مرتبط، أو خاضع، أو عميل، أما أن يكون النظام كله عميلًا لهذه الإمبريالية أو تلك، فهذا مستحيل وغير واقعي، وهو نافل وغير ضروري؛ يكفي أن يكون الرأس تابعًا، حتى تستوي الطاولة وتتم الصفقة، من أجل كرسي. فلماذا تتعب الإمبريالية نفسها وتبذر نقودها، إذا كان نائب الرأس وولي عهده وقائد جيشه ومخابراته ورئيس حرسه الشخصي وحزبه ومنظماته ومستخدموه ورئيس وزرائه ووزراؤه ورئيس برلمانه ونوابه وكبير قضاته، وحتى معارضوه السياسيون، سيكونون -حتمًا- تابعين لذلك الرأس الكبير، خاشعين له.

لكن هل يستمر هذا التّسافد بين المفعول به والمفعول له؟

لقد علمنا التاريخ أن الدنيا دول وإمبراطوريات، سرعان ما تتهاوى وتسقط، كما سقط غيرها، من فراعنة وسومريين وكنعانيين ويونان ورومان وعرب وعثمانيين وأوربيين وسوفيات وأميركيين… وسقطت معها –طبعًا- وتلاشت، تلك الأنظمة التابعة، كما تسقط براغي العجلة، وأراق الأشجار، وكما تتلاشى فقاعات العفن المليئة بالهواء الفاسد. إذا كان عمر الدول العظمى مديدًا مستقرًا، فعمر الأنظمة التابعة، قصير مضطرب ومتذبذب؛ فمن منا اليوم يذكر أشباه الأنظمة تلك التي خلّفها الاستعمار نيابة عنه؟ أو تلك الدكتاتوريات العسكرية التي انقلبت على حكومات ديمقراطية منتخبة فبركتها أميركا “عدوة الشعوب”، وحملتها على دباباتها إلى كرسي الحكم، في بقاع شتى من الأرض، وبخاصة في أميركا اللاتينية والدول العربية؛ أو أنظمة “حركات التحرر” التي دعمها الاتحاد السوفياتي “صديق الشعوب” بعد حقبة الاستعمار، وجعلها تدور في مداره، تحت راية الأممية والصراع الطبقي حينًا، أو التصدي لأطماع الاستعمار والإمبريالية، أحيانًا أخرى؟ وهي، أي تلك الأنظمة، في جوهرها، وفي كلتا الحالتين، أنظمة مصطنعة، لا تغضب إلا إذا غضب “السيد” (الأميركي أو الروسي)، ولا ترقص إلا إذا رقص، ولا تعطس أبدًا، إلا إذا عطس.

من يذكر الآن دكتاتوريات أميركا اللاتينية، كوبا وتشيلي ونيكاراغوا وغيرها؟ من يذكر أنظمة آسيا وأفريقيا وما حل بشعوبها… ومن يذكر جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية “الجنوبية”، وعبد الفتاح إسماعيل، ومن بعده علي ناصر محمد، ومن بعدهما علي سالم البيض، الذي يسلم الراية أخيرًا لعلي عبد الله صالح… من يذكر “جمهورية أفغانستان الديمقراطية الشيوعية”، وزعيمها الأول ببراك كرمال، ومن بعده محمد نجيب الله الذي أعدمته حركة طالبان، وورثت عرشه المدمر.

هل كان صدفة أم أن يقع اختيار كل من الامبرياليين والشيوعيين على جنرالات الجيش والانقلابات العسكرية!؟ هل كان قدرًا محتومًا أن يتحول العسكر في بلدان حركات التحرر، إلى خناجر في خاصرة أوطانهم وقلوب شعوبهم، وأن تتجزأ تلك البلدان إلى شمالية وجنوبية وشرقية وغربية!؟ ألم يكن مصيرها -خلال قرن تقريبًا- مزيدًا من التجزئة والخضوع والتخلف، والانقسام المذهبي والعرقي والعشائري؟؟ ألم تتحول معظم هذه البلدان التابعة، إلى دول فاشلة، وبرعاية وحماية تلك الدول العظمى؟

المحزن في هذا كله، أنه إذا كانت أنظمة الاستبداد خلال الحرب الباردة، قد رهنت نفسها لدول عظمى “حقيقية” قوية، قادرة على تدمير الأرض بصواريخها العابرة للقارات وقنابلها الذرية والهيدروجينية، فهل يجب علينا أن نخشى الآن، وفي المستقبل أيضًا، حكم أنظمة استبداد جديدة تضع نفسها تحت وصاية دول دينية -من الدرجة الثانية- هي أشباه دول، أو أشباه شياطين!؟

هؤلاء اللاعبون الصغار الذين يعملون بالوكالة عن أصحاب القرار الكبار، مسعّرين أتون الغرائز البدائية، ومستخدمين سبلًا شتى، والتكتيكات القديمة الجديدة المتخلفة: الطائفية والعشائرية والقومية؛ معتمدين في ذلك على أحزاب دينية متعصبة، أكثر تخلفًا من الأحزاب الأيديولوجية: الرأسمالية والشيوعية والقومية…

إن مصير حركات التحرر الحقيقة في منطقتنا، مرهون بثورة شعوبها التي انفجرت منذ ست سنوات في وجه الظلم والذل، وما زالت تخوض مخاضًا عسيرًا، في غرفة العناية المشددة للتاريخ، ولا بد –في نهاية المطاف- من ولادة جديدة.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق