تحقيقات وتقارير سياسية

حين تستعصي العدالة ويواصل القاتل جريمته ضد الحياة

أنس الباشا 24 عامًا، كان يُطلَقُ عليه “مهرج حلب”. اختار أنس البقاء داخل مدينته ليواسي الأطفال ويدخل البهجة إلى قلوبهم، حتى بعد أن بدأت قوات الأسد قصفها المروع. في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر، قُتل الباشا في ضربة جوية، ورثاه شقيقه قائلًا: لقد أسعد الأطفال في أحلك وأخطر مكان” في العالم.

دفع أنس حياته، ثمنًا، في عالم لم يتمكن فيه الضمير الإنساني من التغلب على حالة الاستعصاء التي وصل إليها مجلس الأمن بشأن مساءلة الأسد عن جرائمه وتحقيق العدالة لآلاف الضحايا، لكن شجاعة الذين صمدوا إلى جانب الباشا، وجَلَدِهِم، وإبداعهم، وتصميمهم على مجابهة التحديات والتهديدات الهائلة، أبرز أدلة مذهلة تؤكد، أنه حيثما استُخدِمت الطائرات، والدبابات، والهراوات، بوصفها أدوات لقمع وإسكات من يبحثون عن الحياة، يجد الناس سبلًا للنهوض مجددًا، من تحت رماد الحرب والموت.

في الاستعراض المسحي لوضع حقوق الإنسان في سورية، الذي وثّقه تقرير منظمة العفو الدولية العالمي لعام 2016/ 2017 تبدو الفظائع الرهيبة التي تقترف على مرأى العالم ومسمعه، جزءًا من محنة شاملة، يكابدها اليوم ملايين السوريين، ليس بسبب حرب أدت إلى نزوح ملايين الأشخاص فحسب،”4.8 مليون إلى الخارج و 6 مليون داخل البلاد،  بمن فيهم   200 ألف في 2016 طبقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بل لانهيار منظومة حقوق الإنسان انهيارًا كليًا، واتباع النظام أساليب لا إنسانية، ممنهجة، تُمارس بحق ناشطين الحرية المحتجزين داخل المعتقلات والسجون السرية، في دمشق وغيرها من المدن، كانت غالبًا ما تؤدي، إلى وفيات، بات عددها يتجاوز وفق إحصاءات مؤسسات مستقلة، الـ 100 ألف وفاة تقريبًا.

في أب/ أغسطس من العام المنصرم، قدّر “فريق تحليل بيانات حقوق الإنسان (منظمة غير حكومية تستخدم الأساليب العلمية في تحليل انتهاكات حقوق الإنسان) ضحايا سجون الأسد بين آذار/ مارس 2011 وكانون الأول/ ديسمبر 2015 بما لا يقل عن 17,723، غير أن وقائع أخرى لاتزال مغيّبة، لضحايا مدنيين، أخفيت جثثهم، ولم تُسلّم لذويهم، قتلوا تحت التعذيب، داخل سجون رئيسة، أو في أمكنة اعتقال غير رسمية لميليشيات حليفة له، تجهل المنظمات المحلية والدولية عددهم حتى الآن.

يلفت الأمين العام لمنظمة العفو الدولية “سليل شيتي” إلى أن عام 2016 شهد تعرض قيم الكرامة الإنسانية والمساواة بين البشر، وفكرة الأسرة الإنسانية، لاعتداء عنيف لا هوادة فيه، من جراء أجواء عاتية، من الخوف ورمي التهم جزافًا، وإلقاء اللوم على الآخرين. وهي الأجواء التي يؤججها أولئك الذين يسعون إلى الاستيلاء على السلطة، أو التشبث بها مهما كان الثمن. ورأى أن ارتفاع عدد الحوادث التي ازدريت فيها هذه المُثل، في عام، أصبح فيه القصف المتعمد للمستشفيات حدثًا معتادًا في سورية، إنما يعيد إلى الأذهان، إخفاقات مماثلة، جرت في رواندا وسربرنيتشا عامي 1994 و1995

تقرير المنظمة، الذي صدر الأسبوع الماضي، أشار إلى أن “القوات الحكومية” والحليفة، واصلت ارتكاب جرائم حرب، عبر هجمات شنتها مباشرة على المدنيين، والمستشفيات، والمراكز الطبية، والعيادات، وقوافل المساعدات، قتلت وجرحت مئات المدنيين، بمن فيهم عاملون في الخدمات الطبية، وعشرات الأطفال. ورأى التقرير: أن عقوبة الإعدام، التي تطبق بالنسبة إلى جرائم عديدة، بقيت مجهولة، ولم تكشف السلطات النقاب عن معلومات تذكر بشأنها، أو أي معلومات عما نفذ من أحكام بهذا الخصوص. مشيرًا إلى أن قوات الأسد ارتكبت أعمال قتل غير مشروع، من بينها إعدامات خارج نطاق القضاء. وإعدامات ميدانية نفذتها عندما اقتحمت منازل مدنيين شرقي حلب، وقتلت طبقًا لـ “مصادر متعددة” ما لا يقل عن 82 مدنيًا، بينهم 13 طفلًا، على الفور.

وانتقد التقرير حوادث الاختفاء القسري التي تمارسها “القوات الحكومية”، إذ تحتجز آلاف المعتقلين دون محاكمة، وفي أحيان كثيرة في أوضاع ترقى إلى مرتبة الاختفاء القسري، مضيفة بذلك دفعات جديدة إلى الآلاف الذين ظل مصيرهم ومكان وجودهم مجهولًا، عقب اختفائهم قسرًا لديها منذ عام 2011 تضم منتقدين سلميين ومعارضين” للحكومة” وأفراد عائلاتٍ اعتُقلوا بدلًا من أقربائهم المطلوبين للسلطات. لافتًا إلى أن هناك آلاف الأشخاص، معظمهم من الإسلاميين، في عداد المفقودين منذ أن اعتقلتهم قوات الحكومة السورية في أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن الماضي. يتعرضون لتعذيب تسبب بوفاة أعداد كبيرة منهم، وأضاف دفعات جديدة إلى آلاف الوفيات التي شهدتها السجون في الآونة الأخيرة.

وشكلت حالات الحصار التي فرضها الأسد، على مناطق أغلبية سكانها من المدنيين، تخضع لسيطرة” الجماعات المسلحة”، أو يسود فيها القتال، معرضة بحصارها، السكان المدنيين للموت جوعًا، والحؤول دون تلقيهم الرعاية الطبية اللازمة، وغيرها من الخدمات الأساسية، في الوقت الذي تستمر فيه وبصورة متكررة، الغارات الجوية وعمليات القصف المدفعي. جرائم حرب موصوفة لا يمكن التقليل من خطورتها.

وأدانت العفو الدولية، المحاكمات الجائرة، التي قاضت السلطات بعض من رأت فيهم معارضين لها أمام “محكمة مكافحة الإرهاب” و”المحكمة العسكرية الميدانية”، وكلتاهما تعمل بموجب إجراءات فاضحة الجور؛ تجاهل فيها القضاة فتح تحقيقات، بمزاعم متهمين قالوا: إنهم تعرضوا للتعذيب أو لغيره من ضروب المعاملة السيئة، أو بأنهم قد أكرهوا على الإدلاء “باعترافات” استُخدمت ضدهم أدلةً في المحاكمات الصورية.

إنه من الصعب الإلمام بكل تفاصيل ما يجري في ظل أوضاع كهذه، وليس هناك شك في أنّ أي حديث عن حقوق الإنسان في سورية، سيبدو ناقصًا، إذا ما أخذنا في الحسبان التعتيم الذي تفرضه “السلطات الحكومية”، على أوضاع سجونها. وما يتعرض له المدنيون في أثناء وقوع مناطقهم تحت سيطرة قوات تحترف القتل العشوائي، أو في حالة توقيفهم وإخضاعهم لتحقيقات طويلة، على يد عسكريين، يميلون إلى انتزاع المعلومات بوسائل جهنمية وتقنيات مرعبة، تعرض القيم التي ينص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للخطر، وتحوّل مبادئه الأساسية إلى عناوين فارغة، بلا مضمون.

واقع مأسوي في ظل غياب آلية عمل دولية، تضمن مساءلة المجرمين عن جرائمهم. ومشهد يقدم بحسب “آنا نيستات”، مدير عام البحوث في منظمة العفو الدولية، مثالًا واضحًا على فشل النظام الدولي المختل الذي يقع مجلس الأمن في مركزه، في منع ارتكاب فظائع، تهز صورها ضمير الإنسانية جمعاء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق