قضايا المجتمع

السوريون في تركيا… معاناة ذوي الإصابات الباردة

لم يُدرك الناشط جمال معتوق الذي تعرّض لإصابة في ساقيه في معضمية الشام، كادت أن تؤدي إلى بترهما، أنه سيتعرض في رحلة العلاج إلى خيبات كثيرة، لكنها لم تمنعه من الاستمرار في انتفاضته ضد الظلم، والاحتفاظ بنشاطه الثوري، على الرغم من تشوّه جسده وتدهور وضعه الصحي.

وقال في حديثه لـ (جيرون): إنه تعرّض “للإصابة في آب/ أغسطس عام 2011، حينما نصبت لي قوات النظام كمينًا مُحكمًا بين المعضمية والمستشفى الوطني في داريا، وأطلقت عليّ النار، بذريعة أن سيارتي كانت ممتلئة بمكبرات الصوت التي شاع استخدامها في المظاهرات السلمية، واعتُقلت في إثرها لمدة 9 أشهر، تعرّضت خلالها لكل أنواع التعذيب، وتدهور وضعي الصحي في المعتقل كثيرًا”.

وأضاف “بعد خروجي من المعتقل، باشرتُ العلاج في المستشفى الميداني في معضمية الشام، وكانت تُجرى لي عمليات قطع من أنحاء الجسد لترميم القدم والساق التي كانت على وشك البتر لشدة الإصابة”.

خرج معتوق من معضمية الشام في رحلة التهجير القسري التي طالت أهالي المعضمية أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 2016، وأفضت إلى خروج الأهالي نحو إدلب، ولكنه لم يستطع استكمال علاجه في إدلب، لعدم توفر مستشفيات متخصصة تجري عمليات معقدة، فقرّر الذهاب إلى تركيا لإتمام علاجه، ولكن الطريق من إدلب إلى تركيا لم تكن ميسّرة، ويروي: “بقيت في إدلب 58 يومًا، كانت من أصعب أيام حياتي، تعرّضتُ خلالها لكثير من الاستغلال، وتاجر السماسرة بمعاناتي، وعندما قررت الذهاب إلى تركيا، فوجئت بالمبالغ الباهظة التي يجب علي دفعها لأسافر بطرق التهريب، على الرغم من مرضي، وطُلب مني دفع 2000 دولار، علمًا أن تكاليف التهريب للأصحاء لا تتجاوز 300 دولار، والذريعة هي عدم قدرتي على المشي، لذا؛ ينبغي على المهربين شراء الطريق بالكامل”.

بعد رحلة شاقة، وتحمّل تكاليف مالية كبيرة، وصل معتوق أواخر العام 2016 إلى تركيا، وبعد مضي 22 يومًا على بقائه في تركيا، وعدم قدرته على استيفاء العلاج في مراكز الرعاية السورية، ولعجزه عن استخراج بطاقة الحماية الموقتة، أو (الكمليك)؛ للحصول على العلاج في المستشفيات التركية، قرّر السفر إلى اليونان، واستضافه هناك مركز طبي يُعنى بالسوريين، إذ جرى تشخيص حالته، وحددوا له موعدًا للعملية الواجب إجراؤها  في الشهر السادس من العام الحالي، وهو اليوم لايزال في أثينا بانتظار إجراء العملية، وينوي اللجوء لاحقًا إلى ألمانيا لاستكمال العلاج.

حول الإصابات الباردة وكيفية التعامل معها قال مدير المركز الطبي في مدينة الريحانية الحدودية، ياسر سيد، لـ (جيرون): “الجرحى الذين يحتاجون إلى عمل جراحي بارد، يُدخلون إلى المستشفيات التركية، أو إلى مستشفى (الأمل) للسوريين في الريحانية، ويكون علاجهم مجانًا في حال كانوا مشمولين بنظام الحماية الموقتة، أما العمل الجراحي المعقّد، غير المستعجل، فيجري التقييم من الجانب التركي حصرًا، فإن استوجب الأمر عملية يجروها، ولكن الأمر يتطلب كذلك استصدار (الكمليك)”، لافتًا إلى “وجود صعوبات كبيرة في الحصول على (الكمليك) في الآونة الأخيرة، وفي بعض الأحيان يتأخر رقم (الكمليك) في وصوله إلى قاعدة بيانات المستشفى، ولا يُجرى العمل الجراحي إلا بوصوله”.

من جهته قال الطبيب زيدون الزعبي لـ (جيرون): “هناك قسم من الحالات الباردة يجري استيعابها ومعالجتها في سورية بحسب الطاقات والتجهيزات المتوافرة في المستشفيات الميدانية، أما الحالات المعقدة الأكثر إلحاحًا، فتحول إلى تركيا، إلا أن العلاج فيها له محدّداته وقواعده؛ ما يحول دون حصول كل المصابين على العلاج، وبالنسبة إلى محتاجي العلاج الفيزيائي، فلا يجري قبولهم في المستشفيات التركية، ويحالون إلى المراكز السورية، ولكن هذه المراكز قليلة، وقدراتها الاستيعابية ضعيفة”، مشدّدًا على أن “هناك أشخاص فقدوا قدرتهم على استخدام أطرافهم المصابة؛ بسبب عدم توفّر مراكز إعادة تأهيل فيزيائية”، مؤكدًا أن “الإصابات الباردة عرضة للتحول إلى إعاقة دائمة إذا أُهملت”.

وأشار “سيد” إلى “بوادر من الحكومة التركية لتحسين عملية التنسيق بين مراكز الرعاية السورية والمستشفيات التركية، ولكن إلى الآن لا يوجد خطوات فاعلة في هذا السياق”.

جمال معتوق من سكان معضمية الشام، ويبلغ من العمر 58 عامًا، معارض للنظام قبل الثورة، وبانطلاقتها كان في طليعة المتظاهرين في معضمية الشام، وكان يحرّض الأهالي في الجوامع على التظاهر، إلى أن طالته يد الغدر، وحولته إلى مصاب عاجز عن المشي، حاله كحال كثيرين من مصابي الحرب، الذين تعرضوا لإعاقات وتشوهات، وهم بحاجة لعلاج وإجراء عمليات جراحية كي لا تتفاقم أحوالهم.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق