أدب وفنون

السينما الإيرانية: «close up» لوجه إيران الآخر

تفتح السينما الإيرانيّة عيَني المشاهد على بلادٍ يحسَبها للوهلة الأولى فانتازيا شِعرية من صنع الخيال فحسب، إلاّ أنّه ما إن يقتَرب من عالمها وشخوصها حتّى يتورّط في جاذبيتها الساحرة مدركًا واقعيةَ وجمالَ ما تراه عيناه. تنفَتِحُ عيناك على إيران أخرى، بلادٌ تشبِهُ سجّادها الفارسي بغنى تفاصيله وسِحر ألوانه، وجهٌ مخفيٌّ وراء الصورة الرسمية والمتجهّمة التي تصدّرها العمائم والبدلات الداكنة للعسكر.

مرَّ عقدٌ من الزمن على دهشتي الأولى أمامَ سابع الفنون الإيرانية، اعتقدتُ آنذاك بأنّها صدفة موفّقة ليسَ إلاّ، إذ لم يكن البصر كافيًا للإحاطةِ بفيضِ المشاعر التي راحت تنبَعِثُ من وراء الشاشة الصغيرة لحاسبي الشخصيّ وأنا أشاهِدُ أوّل فيلمٍ إيراني في حياتي، مُستَعيدًا ذكرياتي القديمة مع أحذية طفولتي الأولى، فمن منّا لم ينسَ الطريق وهو يتملّى وجه حذاءٍ جديدٍ في مشواره الأوّل! ثمّةَ ما يشبه حياةً أعرفها جيّدًا، قلتُ لنفسي وأنا أطرُدُ قليل الضوء الذي تسلّلَ من فراغٍ بين ضفّتي الستارة جاذبًا إحداهما لتطبِقَ على الأخرى.

كان الفيلم بعنوان [أطفال السماء] لمؤلّفه ومخرجه مجيد مجيدي وهو القادم إلى السينما من المسرح، وللعلم فإنًّ ثنائية المخرِج-المؤلّف تُتَعـَبَرُ سِمَةً مألوفةً في المشهد السينمائي الإيراني، إذ أنَّ أبرز المخرجين الإيرانيين يكتبون نصوص أفلامهم بأنفسهم، بدءًا من رائد السينما الشعرية والذي يعتبرُ مؤسس الحداثة السينمائية الإيرانية، الراحل عباس كياروستامي (1940-2016)  وأصغر فرهادي، الذي عدّته مجلة التايم البريطانية واحدًا من ضمن المائة شخص الأكثر تأثيرًا في العالم، وصولًا إلى جعفر بناهي الذي حاز فيلمه الأخير  [تاكسي]  عام 2015 على جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين، كما أنَّ الملفِت في سيرة فيلم بناهي هذا، أنّه صوّره سرًّا بينما كان تحت الإقامة الجبرية في إيران على خلفية مشاركته في احتجاجات الثورة الخضراء.

كان فيلم [أطفال السماء] واقعيًّا حدّ الإدهاش، أشبه بفيلمٍ وثائقيّ، سواء بوجوه شخصيّاته الطفولية (وهي سمة عامة من سمات السينما الإيرانية)، أو في تفاصيل المكان الذي اختاره المخرج مسرحًا لحكاية الفيلم. وبإيجاز، فإنّ حكايته تدور حولَ طِفلَين من أبناء الأسَرِ الفقيرة، وهما أخ وأخت يحملان اسمَي علي وزهرة، ولنكون أكثر دقّة فإنَّ علينا القول بأنَّ الحكاية المركزية إنّما تتمحور حول علاقة علي وزهرة بالحذاء الذي سيشغل مدّة الفيلم التي تقارب الساعة ونصف الساعة، يستولي الطفلان على قلبك وأنت تطالع براءة انفعالاتِهما وشحوبَ وجهَيهِما كلّما بادر المخرج إلى تصوير لقطة «close up» لوجه عليّ أو لوجه زهرة وهما يتبادلان الحزن والتعاطف لفقدان حذاء زهرة الذي أضاعه عليّ، تدهشك قدرة البساطة على إنجاز مقترحها الفنيّ بهذا العمق وبهذه القدرة الكاشفة للنفس البشرية، ثمّة ما يلامس روحك بخفّة متناهية.

شاهدتُ الفيلم مرّتين خلال أسبوعٍ واحد، كان بمثابةِ الفاتحة، دفعني ذلك إلى البحث عن أفلامٍ أخرى لمجيدي، كان الفيلم الثاني هو [باران]، مرّةً أخرى يستحوذُ الأطفال على أدوار البطولة، وهي السّمة التي سوف تطبع معظم أعمال مجيدي، كما أنّها حاضرة لدى الكثير من المخرجين الآخرين، يقدِّمُ الأطفالُ أداءً آسرًا لا يقلّ عن المستوى الذي تقدّمه أعرقُ المدارس السينمائية العالمية.

بساطةُ الحكاية وعُمقِها، والشغفُ برسائل الوجوه والإيمان بقدرتها على نقلِ رسائل ربما تعجز عنها أعتى التقنيات وأكثرها إبهارًا، هكذا بدت عناصر النجاح السينمائي الإيراني تتشكّل في ذهني، إنّها جاذبية البساطة وسينما الإنسان قبل الحكاية وقبل التقنية، الإنسان بطلُ حكايته والتقنيّةُ في خدمته وخدمةِ حكايته. أمّا ثالث أفلام مجيدي التي شاهدتُها، فكان [زقزقة العصافير]، مرّةً أخرى يعود مجيدي لرصد الهوّة المتفاقمة بين حياة الريف وحياة المدينة مسلّطًا الضوء على التفاوت الطبقي الحاصل في إيران كما ويتناول الثمن الباهظ لأن يكون المرء أخلاقيًا في عالم اليوم، فيلمٌ يلامس القلب على نحو ساحر. وقد حاز على جائزة مهرجان برلين عام 2008.

لم يتوقّف مجيدي عن إدهاشي كلّ مرة، تأكّد لي ذلك عند مشاهدتي لفيلم [لون الجنّة]، كان مجيدي يتفوّق على نفسه في كلّ مرة أشاهد فيها فيلمًا له، في فيلمه الأخير هذا، يعود مجيدي إلى الأطفال وإلى براعتهم، طفلٌ أعمى هو البطل هذه المرة، وبصحبة أطفال آخرين، ينجح مجيدي في تقديم جرعةٍ سينمائيةٍ ولا أغنى. لا بدّ لك وأنتَ تراقب ذلك الطفل الذي يتحسّس العالم بأصابع يديه ويطلِق أسئلته المؤلمة، من أن تعيدَ النظر في فهمِك للسينما. ويصعب القول بأنّك اطّلَعتَ على تجربة مجيدي ما لَم تُكمِل متعتَك بفيلمٍ آخر بطله أعمى -أيضًا- لكنّه أكاديميّ كهل وليس طفل هذه المرّة، إنّه فيلم [شجرة الصفصاف].

بعدَ ذلك سأبدأُ بمشاهدَةِ كلّ ما تطالهُ يدي من أفلامٍ إيرانية، رُحتُ أكتشفُ أسماء مخرجينَ لم أسمع بهم من قبل، الكرديّ الإيراني بهمان قبادي وفيلمه الآسر [السلاحف أيضًا تطير] بعد أكثر من عشر سنوات، بإمكاني الآن أن أغلِق عينّي لأتذكّر مشاهد كان أبطالها أطفالًا التهمت الحرب أطرافهم وسكنت ذاكرتهم، الطفل ساتالايت، الطفلة الهاربة من حلبجة والتي تحمل أختها على ظهرها طيلة الوقت، جبالٌ وحقول ألغام ونواحُ كرديّاتٍ عتيق.

بعد ذلك سأعثر على عباس كياروستامي، سينما تقطُرُ شعرًا وفنًّا آسرًا يجعلك تُبصِرُ هواجسك وأفكارك عن الحياة والموت، من بين جميعِ المخرجين الإيرانيين، يمتاز كيراستامي (الشاعر) بجرأته التجريبية، كما أنّ بعض النقاد يطلِقون عليه لقب “روسيلّيني إيران” نسبةً إلى المخرج الإيطالي الشهير روبرتو روسيلّيني، كان أوّل الأفلام التي شاهدتها لكياروستامي هو فيلم [طعم الكرز]، فيلمٌ يتناول فكرة الموت والانتحار، رجُلٌ غارقٌ في الاكتئاب، يصل إلى لحظةِ القطيعة مع الحياة ويقرر أن يضع حدًّا لها بخطّةٍ غريبة، غيرَ أنّه يفشل في العثور على أحدٍ يهيلُ عليه التراب في الحفرة التي جهّزها لنفسه. بعد ذلك سأشاهدُ فيلمًا آخر لكياروستامي بعنوان [سوف تحمِلُنا الريح]، نفس الهواجس، ونفس التقنيّات والدهشةُ التي تجترحها بساطة فُرجَتِك على بشرٍ عاديين، قرويّون بسطاء أمام الكاميرا، فيما يجرّب المخرج/ الكاتب تجسيد فلسفته من خلال وجوههم وأصواتهم.

وعلى الرغم من نزوع كيراستامي إلى معالجة بعض المفهومات المجرّدة التي قد تبدو معقّدةً بعض الشيء لعموم الجمهور، إلاَّ أنّه يتمسّك ببساطة التقنيّات والتصوير، ويركن في معظم أعماله إلى اختيار ممثلين غير محترفين، بشرٌ عاديّون يشرف على تدريبهم بنفسه ويطلقهم أمام الكاميرا، يقول كياروستامي “إنَّ الواقع أهم من السينما” ربما يحمل قولٌ كهذا ما يساعد في فهم أسلوبه السينمائي الخاص.

قادني شغفي وحُسن حظّي ببعض الأصدقاء إلى اكتشاف المزيد من هذا الكنز الفنّي، فبعد كياروستامي، وجدتني أمام عائلة مخملباف، الأب محسن في فيلم [قندهار] 2001، والابنة سميرة في فيلم [التفاحة] 1998 و[الطفل الحصان] 2008، يكفي أن تشاهد الدقائق الخمس الأولى من فيلم [التفاحة] حتى يستحوذ الممثلون الأطفال على مشاعرك، ستصاب بالذهول حين تعلم أنَّ هؤلاء ليسوا سوى شخوص الحكاية الحقيقيّين. يشترك المخملبافيّون مع أقرانهم من المخرجين الإيرانيين في مسألة بساطة المكان الذي يبدو وكأنّه إحدى شخصيات الفيلم، وكذلك في غياب الممثل النجم والبطل، لصالح حضور بشرٍ عاديين يؤدّون أدوارهم كما يعيشونّها في حياةِ الواقع ويمرّرون رسائلهم بذكاء على الرغم من سطوةِ الرقيب الإيراني التي لا تخفى على أحد.

لا شكّ في أنَّ إنتاجًا سينمائيًا بهذا النجاح الذي حقّق حضوره في أهم المحافل السينمائية العالمية، وعلى الرغم من تواضع تقنياته وبساطته الإنتاجية الواضحة، تجعلنا نتساءل عن جدوى الملايين، بل المليارات التي تُهدَرُ في هوليود وغيرها لإنتاج محتوى سينمائي همّه الإبهار التقني والإثارة العنفيّة من غير أن يلقي بالًا للدور الذي تلعبه السينما بوصفها جسرًا ثقافيًا بين العوالم والحضارات.

مقالات ذات صلة

إغلاق