أدب وفنون

رأس ميدوزا قراءة جديدة في رواية اللحاف للفنان التشكيلي أيمن ناصر

البطل الأساسي في رواية اللحاف للفنان التشكيلي والروائي، أيمن ناصر، هو اللحاف نفسه المرسوم عليه رأس ميدوزا، وهو علامة الموت عند الإغريق، وعلى الرغم من أنه البطل الأساسي في الرواية، إلا أنه ليس شخصية لها مسارها صعودا أو نزولا فيها، اللحاف الذي لم ينطق بأي كلمة في الرواية، كان هو المتكلم الرئيس، أو بالأحرى هو المتحكم الرئيس، بما أنه المناخ الذي يسيطر على حياتنا ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا.

ما قصده الروائي ناصر باللحاف الذي كان يتلحف به سيد، ذو الجسد الضخم بضخامة الوطن، هو الغطاء الأيديولوجي /الديني/ الفكري، للمجاميع البشرية الضخمة التي يعيش بعضها مع بعض داخل وطننا أو داخل أوطاننا، إنه “الاتمسفير” المناخ المخيم على روحنا، ليس طريقة تفكير وليس طريقة حياة يتفق عليها الجميع، إنما هو مناخ يفرضه آخرون على الآخرين، كما تفرض الأسطورة مناخها على المؤمنين بها.

في نهاية الرواية، وبطلب من زوجة سيد صاحب اللحاف، يحرق حمزة صديق سيد وابن سيد وأمه اللحاف في المكان الذي قتل فيه سيد، أنه الحل الذي يقترحه الكاتب في الرواية، وبعدّ اللحاف هو المناخ، فإنه يقترح علينا أن نحرق المناخ الذي يسيطر على حياتنا، ربما يكون هذا حلًا أساسيًا لتصبح حياتنا صحيحة، لكن ما المناخ الذي يسيطر علينا ويجب حرقه برأي الكاتب؟

إنه زياد الديري والزير ابن عم سيد، بنزقيهما وعصبيتهما وعبثهما، إنه تدين الشيخ عبدو المنحط ونفاقه ولا أخلاقيته، وسوداوية سيد وفلسفته في الموت، إنه شعر اللاجدوى الذي يقوله اثنان من شخصيات الرواية، مقابل طرح طريقة حياة أخرى، تأخذ من الفن الحرية والألوان، لتشكيل حياة جديدة وتأخذ من البحر الاتساع والأفق، وهما ما يطرحهما حمزة الحمداني شخصية الفنان والعاشق الذي يروي الكاتب روايته على لسانه.

اللحاف/ المناخ هو سؤال الرواية وجوابها، لقد غاص الكاتب في عدد من أساطير الشعوب القريبة من منطقتنا، وهذه الشعوب لا تعيش في اللحظة الراهنة داخل مناخ أسطوري، فقد حوّلت هذه الشعوب أساطيرها إلى تاريخ، ووضعته في مكانه الأساسي ألا وهو الماضي، وهي شعوب حرقت لحافها/ مناخها الأسطوري، وشرعت نحو حاضرها تبنيه، ونحو مستقبلها تصنعه لها ولأجيالها القادمة، لكن ماذا عنا نحن؟ ماذا سنفعل؟ متى سنحرق لحافنا/ مناخنا الأسطوري.

هل ما يجري داخل وطننا/ أوطاننا في اللحظة الراهنة هو محاولة لحرق هذا اللحاف/ المناخ الأسطوري؟، هل كانت الرواية التي انتهى منها الكاتب عام 2006 هي عملية تنبؤ بما سيجري بعد عام 2010 داخل أوطاننا؟

إن أسطرة الموت وتقديمه على كل شيء، يبدو ناتجًا عن حدوثه بطريقة القتل، وباستمرار تاريخيًا، وغياب أسطرة للحياة، وتقديمها على كل شيء ناتج عن عدم حدوثها داخل منطقتنا، لوجود القتل طريقة لحياتنا، ويحاول حمزة البحث في غربته في اليمن، إذ تدور أحداث الرواية عن دليل ومرجعية، فيصادف مجيء سيد الذي سيصبح هو الدليل والمرجعية بالنسبة لحمزة الذي يريد من سيد أن يكون الدليل والمرجعية، لكن دون اللحاف ورأس ميدوزا.

ما هو جميل في الرواية توثيق الجمل/ الكلام الذي ينطق به أهالي مدينة دير الزور، إضافة إلى محاولة لتثبيت المصطلحات اللغوية الشعبية خوفًا من اندثارها، بما فيها الجمل الشهيرة والدارجة في الشارع الديري، التي تقال بسخرية ولها معان ضاحكة ودلالات اجتماعية عميقة.

الكاتب يحاول توثيق قريته والهامية والكهف، يحاول تثبيت الأمكنة في الذاكرة لأنها على أرض الواقع هي مستهدفة عسكريًا ومستهدفة حضاريا، وتوثيق عمليات حفر الآثار وكيفية عملها والحديث عن سرقة آثار البلد بطريقة ممنهجة في مدينة الرقة، إضافة إلى حكاية دخول دواس إلى الكهف والتي تقارب في معانيها ودلالاتها أسطورة حصان طروادة واختراق مجالات الموت.

أبطال الحكايات التي يسردها الكاتب -وهم من مناطق مختلفة من محافظة الرقة في سورية وأم درمان في السودان والحوث في اليمن – هي شخصيات قريبة لنا، وما يعطي شفافية في الرواية أنها تؤكد بان المجتمعات العربية تنقصها الحكايات، وأن الحكايات/ بوصفها شيئًا ينبع من المجتمع، تؤكد مفهومًا سياسيًا، وهو الأمان الذي يأخذه الشخص من الآخرين عندما يحكي لهم، وهذا غير موجود في المجتمعات المحكومة من أنظمة مستبدة تخنق فيها حرية التعبير. الروائي ناصر يحاول أن يؤكد أن الحكايات هي البديل الإنساني الاجتماعي لمؤسسة الديمقراطية ولحرية التعبير غير الموجودة أصلًا في أنظمتنا السياسية.

رواية اللحاف تحفر في شخصيات متنوعة عن معنى واضح للمستقبل، فالأرضية الروائية خصبة لهذا الحفر وللبناء عليه أيضًا، مثل المزج بين سيد وصورة الأب التي في الخيال، وفي الماضي، و في الحياة، ومن ثم؛ البحث عن لغة وسط بين اللهجات المتنافرة، في مركز العبث المقبل على حياتنا، والمقبل منها أيضا، والخروج من كل هذا عن جدوى للحياة وعن جدوى للعيش، وعن اللاجدوى التي يقدمها اللحاف/ المناخ عن الموت، وهذا يجب أن يحث الآخرين على التفكير بالموت بطريقة تمت للحياة أمام المشهد المرعب لحصاد الموت الذي تعيشه أوطاننا.

مقالات ذات صلة

إغلاق