أدب وفنون

عن بلاد الموت المحبب

لقد كبروا في غفلةٍ مني، كنتُ مشغولة آنذاك بتعلم الطبخ وإبرام الهدن المتلاحقة مع البؤس العاطفي، ليرحل مقابل ألا أعيد الكرة مرة أخرى.

أمضيتُ وقتا طويلًا في تناول حبوب الالتهاب المضادة لنزلات الحنين واحتقان الحنجرة المعبأة بالصراخ والغضب المكتوم، كنتُ أشغل نفسي بممارسة الأشياء السخيفة والتافهة التي تعزز مناعتي العاطفية.

لقد كبرتْ أحلامي كثيرًا في ذلك الزمن فصارت أكبر مني بقرون، كبرتْ حتى شاختْ فما خلفت بعدها غير جراح مترامية الأطراف، وكبرتْ معها هذي البلاد حتى بدا شيبها وفاضت شيخوختها على أبنائها الهاربين منها أو الباقيين قسرًا.

يمرّ اليوم الأول من دون أن أموت، أحتاج مثله إذًا، أو أكثر قليلًا لأعتاد هذا الموت المستمر الذي يتربص بنا، في كل مرة تمرّ قربنا رصاصة من دون أن تصيبنا في مقتل لتريحنا من هذا العالم البغيض! ينقطع التيار الكهربائي مرات كثيرة وبصورة متكررة -أيضًا- لتصبح العتمة هي المسيطر الأكبر على موسيقاك الداخلية النشاز، يجعلك هذا العالم ببغاء كإخوتك في المأساة كلهم، فتردد ما يقولونه لتخفيف وطأة البؤس العام: (على الأقل تستطيع أن تفتح شباكًا ليدخل منه نسيم خفيف! ماذا لو كنا في أفريقيا مثلًا؛ حيث ينعدم وجود النسيم تمامًا، لنحمد الله، فبلادنا ما زالت في خيرها)، في خيرها!

عن أيّ خيرٍ أتحدث إلى نفسي الآن وأنا أتحول إلى ببغاء لأقنعها بتحمل اختناقها؟ ربما كان من الممكن أن تنفع تلك الحيلة التي كنت أحتال بها على نفسي قبل سنوات خمس، قبل أن يحدث ذاك الانقلاب السياسي والمناخي أو أن يبلغ الاحتباس الحراري فينا وفي باطن الأرض أوجه.

أفتح الكائن الأزرق المسمى فيس بوك؛ فتباغتني منشورات المغتربين والمهجرين التي تتغنى بالحنين إلى الديار، تلك التي يحسدنا فيها آخرون؛ لأننا -على الأقل- ما زلنا نعيش في حضن الوطن! أمنع نفسي عن الشتم بصعوبة وأترفع عن التلفظ بالمفردات النابية كأيّ إنسان ما زال يحتفظ باحترامه لنفسه -مع أنني أشك ضمنَا في احتفاظ أي منا بصفتي الإنسانية والاحترام بعد اليوم- وأعود إلى حالة الثرثرة مع نفسي بصوت لا يخلو من الحنق:

(بإمكاني أن أبيعك بقعة الوطن التي أسكنها تلك مقابل إجازة قصيرة في بلاد ما زالت تنتج الأوكسجين بدلًا من روائح الجثث المترامية في الأطراف كلها، أيها المترف، أو أن أقايضك بحفنة التراب التي يمنّ علي (الوطن) بها يوميًا ويرميها في وجهي، لتملأ منزلي غبارًا مقابل سماع موسيقا مختلفة عن صوت القنابل والمدافع التي نحصيها، إلى أن تسقط إحداها فوقنا؛ أو على الأقل بجواز سفر أمنحه لابنتي القادمة لئلا تلعن المطارات والحدود التي ستغلق في وجهها، حيثما اتجهت).

أغلق تلك الشاشة الزرقاء وأنا ألعنها، وألعن نشرات الأخبار المنهمرة فوق رؤوسنا شلالًا، وأقرر أن عليّ التوقف عن متابعتها، فلا بأس أن أصبح حمارًا لا يدري ما يحدث حوله في العالم، على أن يزداد يقيني بذلك في كل مرة أتابع فيها خبرًا جديدًا، حيث أكتشف أن العالم بأسره يعدّني كذلك، غير أن ذلك قد لا يجدي حين تكون موجودًا في قلب الحدث، فوق فوهة البركان الذي يغلي منذ زمن، من دون أن يلقي بحممه كلها فوق هذه الأرض اليباس ليريحنا جميعًا.

أعود لحالة الببغاء فأقنع نفسي أنني أفضل حالًا من كثيرين فقدوا أحباءهم وعوائلهم في رصاصة عابرة أو قاصدة، لا فرق، صحيح أن كلًا منهم تشتت في اتجاه، غير أن أحدًا منهم لم يمت في رقصة البنادق المستمرة منذ خمس سنوات، وماذا لو مات أحدهم! كنا سنسميه شهيدًا مثلما يفعل ذوو الموتى في هذه البلاد! وسنبرم معه صفقة جيدة تخلع عنه إنسانيته وحياته مقابل تمجيده بلقب يحمله تاجًا فوق رأسه تحت التراب. نحن نعيش بالقدر الأقل، في المساحة الأقل، مع فتات الأوكسجين الأقل، التي تمنّ علينا بها الطبيعة. نحن الأقل: أقلّ من أن نحيا، أقلّ من أن نموت، وأقلّ من أن نمتلك رفاهية التعبير أو الغضب أو حتى الكفر مثلكم، في العالم الذي ترونه قرية صغيرة من خلال شاشات أجهزتكم المتطورة، ولا يشبه -بالنسبة إلينا نحن التعساء المغيبين- سوى زنزانة أخرى بحجم الزنازين الكبيرة المحيطة بنا، والمسجونين داخلها لنرى صوركم الحية من خلالها؛ فنكتشف أننا قد متنا منذ زمن.

أنا واحدةُ من كثيرات جرفهن الموج وقادتهن حماسة القطيع ليضعن بصمة في هذا العالم، غير أنها تحلّت بالعقل الجمعي في اللحظة الأخيرة، وقبعتْ في زاوية منزلها كأيّ إنسان صالح ينتظر رغيف خبزه، وينشد نعيمًا في جنةٍ مشتهاة! على الرغم من أنه تمنى كثيرًا أن يكون شخصًا حيًّا وقادرًا أن يمسك طرف الخيط ويسحب هذا العالم القذر نحو الهاوية.

عن هذه البلاد أتحدث، عن بلاد الوحشة والظلمة والاغتراب والمنازل الضيقة؛ إذ يصبح المكان الأكثر اتساعًا فيها هو ثقب الباب، كلما حاولنا هروبًا من خلاله انحشرنا فيه أكثر حتى يصبح تابوتنا، لا موت لنا فيه ولا حياة، تابوت فحسب، نفتحه لنتنفس قليلًا من الهواء، ثم نعاود الاستلقاء داخله، من دون صحو أو سبات.

عن بلاد لا مفرّ لك من مخالبها سوى ثقب باب؛ كلما حشرتَ نفسك فيه صار صوت تنفسك هو المصدر الوحيد للضجيج والإزعاج، لأنه يذكركَ أنك ما زلت على قيد الحياة، من دون أن تحيا! وكلما سمعته أكثر صممتَ سمعكَ عن طرقات قلبك التي تتباطأ، لتكتشف مدى عزلتك وعجزك.

مقالات ذات صلة

إغلاق