سورية الآن

سورية: إعادة تجميع القوى الشعبية

شهد منتصف عام 2013 مرحلة تصفية التنسيقيات السورية، الإطار الذي جمع شابات وشبان الانتفاضة – الثورة، بوجه النظام الديكتاتوري السوري. لقد شكلت التنسيقيات وعاء جمع الشجعان المدنيين الأوائل، الذين ابتكروا أساليب متنوعة للاحتجاج المدني، مصحوباً بنشاط سياسي توعوي، وتغطية إعلامية أطلقت أكبر عملية توثيق لما تشهده سوريا وُضعت بتصرف الرأي العام، وهي كانت الإطار الإغاثي الذي نجح في توفير الدعم المتنوع للسوريين.

تصفية التنسيقيات وخطف وإخفاء وقتل أبرز رموزها، تم على أيدي شبيحة الديكتاتورية من جهة، ومن جهة أخرى على أيدي القوى المتطرفة الصاعدة، التي تم إطلاق أبرز رموزها من سجون النظام الأسدي، فأنجزت قسطها في الإجهاز على صيغة وحّدت سوريين كثيرين، في معركة لم تكن صعوباتها مفاجئة لرموز التنسيقيات، بل هم أدركوا باكرًا مدى تعقد المواجهة وصعوبتها مع الديكتاتورية وراعيها الإيراني… فحوصرت بين مطرقة الديكتاتورية وميليشيات الحرس الثوري، وسندان إرهاب تكفيري سرّع عسكرة الثورة. إرهاب مدعوم تمكن خلال أشهر قليلة من قهر أكثر وحدات الجيش الحر وتفتيتها… وصولاً إلى استبدال الشارع الصاخب ضد النظام، بأعداد من المسلحين المغرر بهم.
في ذلك العام، تم قتل الثورة بما هي تجربة ديمقراطية رائدة، باستكمال الجرائم البشعة التي كان قد أطلقها النظام والميليشيات الطائفية التي حشدتها طهران كأدوات لتحقيق مطامحها بالهيمنة على سوريا. لكن حسابات حقل النظام الأسدي وطهران، لم تتطابق بشكل كامل مع بيدر القوى التكفيرية، التي استفادت أولاً من رغبة هذا المحور في استخدامها لتوسيع سيطرتها، فالتقت معه في جني ثمار تدمير الخيار الديمقراطي لصالح التطرف، وهو الهدف الاستراتيجي لنظام دمشق لربط الحراك الثوري بالإرهاب، واستفادت مرة أخرى من قصور المعارضة السياسية، عن رؤية مآل التطورات والفرز الطائفي، فجرى تجاهل متعمد للإرهاب الأسود الذي أطلقته هذه القوى في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام دمشق.

البقية معروفة: سجلت القوى المتطرفة نجاحات جدّية فتقدمت باتجاه الساحل، المعقل الأخير للنظام، وبدأت تقرع أبواب دمشق، وبالمقابل بات الجزء الأكبر من قرار المعارضة السياسية ومواقفها رهن رغبات أمراء الحرب، وشهد المتابعون استماتة رموز في الائتلاف في الدفاع عن أداء المتطرفين كـ«النصرة» حتى إبان مأساة حلب، بوهم أن كل البنادق المرفوعة تخدم الثورة ومصالح السوريين التوّاقين للخروج من نير الديكتاتورية. إنها مرحلة تفتت قدرات نظام دمشق الذي استُنزف، وانكشاف قدرات طهران ووهنها ومعها كل الميليشيات التي استقدمتها، فكان اللجوء إلى موسكو والتسليم بشروطها فتم قلب المشهد السوري.

وهكذا لم توفر طهران وسيلة إلا واعتمدتها لوقف هذا المسار، إن في إنهاء معركة حلب أو الضغوط لفتح معركة إدلب، أو إشعال وادي بردى إلى التعديات الواسعة في الغوطة الشرقية وما سواها لعرقلة المفاوضات… وصولاً لانتزاع اتفاقات مع النظام الأسدي بالحصول على مناجم الفوسفات وعقود تجارية وقواعد بحرية وجوية، تعوض طهران عما بذلته (…)، خصوصاً أنها لن تتمكن من المحافظة على نفوذها الراهن كلما تقدمت مساعي التسوية. لكن موسكو، وانطلاقاً من مصالحها، أتاحت للنازحين من حلب العودة إليها، وتدخلت عسكرياً في ريف دمشق الغربي، لتوقف عمليات الاقتلاع التي تنفذها ميليشيات الحرس الثوري، ولا سيما «حزب الله»، وأجرت مصالحات كما حدث في «سرغايا» وضمنت بقاء الأهالي، ومنعت مشروع طهران إقامة قاعدة جوية في القلمون الغربي وقاعدة بحرية في بانياس. كل ذلك يفضي لاستحالة روسية بتقاسم الهيمنة مع إيران، وهم إلى امتلاكهم القوة، يستفيدون من الرفض العارم للتسلط الإيراني، واتساع ولاء قطاعات عسكرية وأمنية للقيادة الروسية في «حميميم».

استمرار الحرب والقتل والتهجير وتحطيم بنية الدولة السورية، عناصر إطلاق القوة الإيرانية التي ثبُتت محدوديتها ووهنها كـ«بيت العنكبوت»، وهي أساساً لم تقدم من مثال إلاّ الشحن الطائفي والاحتراب الأهلي، وتفخيخ المجتمعات العربية.

هذا الوضع يرتب على المعارضة السورية بكل أطيافها واتجاهاتها، بعد انتهاء مرحلة العسكرة السابقة، بذل الكثير لإعادة تجميع القوى الشعبية التي فتتها القمع الوحشي والتطرف، وبذل الجهد لترميم التحالف وتوسيعه ونبذ لغة الإلغاء والإبعاد بالحد من التعارضات والشرذمة، وتقديم المشترك، ورسم أهداف جديدة، ربما أبرزها تقديم الجانب الإنساني كعودة المهجرين وإطلاق الموقوفين وكشف مصير المختطفين؛ لأنها لحظة الاستفادة من تفاهمات تتم بلورتها في جنيف وخارجها.

(*) كاتب لبناني

مقالات ذات صلة

إغلاق