أدب وفنون

سرديات الكارثة السورية المعاصرة عبر الفنون على المستوى الدولي

ضمن برنامج أولويات العمل الثقافي السوري، تجري الباحثة والفاعلة الثقافية، جمانة الياسري، بحثًا بعنوان: عن الهلع والحيرة والإنكار- إعادة تمثيل وتلقي سرديات الكارثة السورية المعاصرة عبر الفنون على المستوى الدولي: قراءة غير شاملة.

تقول جمانة الياسري، معدّة البحث: “لم تعد هناك حاجة للإشارة إلى اهتمام كثير من المؤسسات الثقافية والفنية الدولية بالفن والفنانين السوريين، منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، وبخاصة منذ تحولها إلى حرب طاحنة تذكِّر بحروب عالمية مروعة مضت، وظنت البشرية أنها لا يمكن أن تقع من جديد، وتترافق هذه الحرب مع وفود ملايين اللاجئين السوريين إلى البلدان المجاورة لسوريا، ومنها إلى باقي أصقاع المعمورة، مرورًا في معظم الأحيان، ببحر متوسطي تحوَّل خلال السنوات الثلاث الماضية، إلى مقبرة جماعية، ورحلات شتاء وصيف، أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها كفيلة بمنافسة جل ما كُتب في قمم أدب وسينما الحروب”.

 

لا يهدف هذا البحث إلى رصد مبادرات المجتمع المدني، الإقليمية والدولية، التي تستخدم الفن والثقافة وسيلة لإعادة بناء الفرد، ولتحقيق المصالحة الاجتماعية داخل سورية -عندما يكون ذلك ممكنًا- وتحديدًا بين مجتمعات اللاجئين، إنما إلى اقتراح قراءة لـ “كيف يتفرَّج العالم على الكارثة التي تحدث في سورية الآن- عبر نتاج فنانيها الذين باتت غالبيتهم العظمى في المهجر. و”الفرجة” لا تعني هنا النظر من دون فعل شيء، بل المشاهدة والمتابعة؛ بقصد محاولة فهم ما يحدث على الأرض ومجريات التاريخ في أثناء وقوعه؛ ومما لا شك فيه أن نتاج معظم الفنانين السوريين، منذ ما يزيد على خمس سنوات، قد تحوَّل إلى إحدى قنوات المعرفة الأساسية، حول تاريخ سورية الحديث والمعاصر، مادة مثيرة للاهتمام تعكس تحولات هذا التاريخ وتثير كثيرًا من الجدل، حول دور الفنان، بوصفه شاهدًا على التاريخ، ومسؤولياته الفكرية والأخلاقية أمام الكارثة. ولا يقصد البحث بمفردة: “العالم”، القوى الجيوسياسية الكونية المتدخلة في الصراع، والقادرة على وضع حد له، وإنما المؤسسات والأفراد العاملين في الحقل الفني والثقافي والفرجة وفنون العرض، وبخاصة المؤثرين منهم في عملية إعادة تمثيل؛ بل وترتيب سرديات الحدث، مثلما يعيد كتابتها الفنانون السوريون عبر أعمالهم، أي الجهات المؤثرة والمتأثرة –أيضًا- بأفق تلقي جمهور المنابر الدولية التي تعرض هذه الأعمال المختلفة.

من المؤكد أنه لم يستجب الجميع لما يحدث في سورية اليوم بالطريقة نفسها، إذ يبدو لنا أن من فعلوا تراوحت دوافعهم -أساسًا- بين الهلع، أمام هول كارثة باتت تلخِّص لكثيرين مأساة العالم المعاصر، وغالبًا ما تأتي برامجهم استجابة سريعة لقضايا أكثر إلحاحًا، وكأنها امتداد لنشرات الأخبار، أو الحيرة في أخذ قرارات ووضع برامج تتلاءم ومستوى الحدث فكريًا وأخلاقيًا، في الوقت نفسه الذي تقدم فيه الأفضل على الصعيد الفني، وإنكار ما يحدث عبر تجاهله أو النظر إليه بشك، تحت ذريعة أن ما يحدث في سورية بالغ التعقيد ولا يمكن فهمه.

يتوقف البحث عند مجموعة من الأمثلة التي تبدو لافتة للنظر وجديرة بالتحليل، عبر عرضها، وإجراء مجموعة من المقابلات مع بعض القيِّمين الفنيين والمديرين الثقافيين، من المنطقة العربية وأوروبا والولايات المتحدة، وبالتأكيد، عبر الحديث مع مجموعة من الفنانين السوريين الحاضرين اليوم على المستوى الدولي.

يأتي هذا البحث ضمن مشروع المرصد، الذي سبق أن أعلنت عنه اتجاهات -هذا العام- ضمن نشاط برنامج أولويات العمل الثقافي السوري، ويسعى إلى دراسة واقع المشهد الثقافي السوري خلال السنوات الخمس الماضية، والبحث في الأوضاع العاصفة التي جرت عليه، والتحولات الجوهرية التي أثرت فيه، وأهم التحديات التي تواجهه، ومن شأنها أن تفتح الأسئلة حول المستقبل، وذلك من خلال سلسلة أبحاث تكوّن بمجملها صورة نقدية شاملة عن واقع وحال المشهد الثقافي السوري.

جمانة الياسري: مديرة فنون أدائية، وقيِّمة فنية تعيش في باريس، تعاونت خلال الـ 15 سنة الماضية مع مؤسسات ومبادرات ثقافية وفنية إقليمية ودولية، مثل احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008، صندوق شباب المسرح العربي، مهرجان مورغن لاند، في مدينة أوزنابروك، مهرجان دي-كاف في القاهرة، الشبكة الدولية لفنون العرض المعاصرة IETM، وبرنامج ثقافة ميد. في عام 2015. عُيِّنت مسؤولة عن مبادرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لبرنامج المسرح في معهد ساندانس، لتشارك في قيادة تنفيذ البرنامج في المنطقة وخارجها، وانتُخبت في العام نفسه عضوًا في مجلس إدارة صندوق روبيرتو شيميتا، لدعم التجوال في المنطقة الأورو-عربية. إضافة إلى أنها باحثة وكاتبة، خاصةً في موضوع جماليات كتابة التاريخ عبر الفنون، الممارسات الفنية العربية المعاصرة، وإعادة تمثيلها على الساحة الدولية، والشبكات الثقافية. وهي من أصول سورية-عراقية، حاصلة على إجازة في الدراسات المسرحية من المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، وعلى شهادة الماجستير في الأدب المقارن من جامعة باريس الثامنة. منذ 2012، وتعمل على بحث حول كتابة الكارثة لدى إيتيل عدنان.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق