اقتصاد

اقتصاد الأسد.. مآلات الخسارة ورداءة المشهد

منذ أن بدأت الحرب، وأخلت حكومة الأسد الساحة -متعمدة- لشركاء النظام، والمستفيدين منه، وبعض قيادات البعث؛ للسيطرة على قطاعي المستوردات والصادرات، وقطاع الاستثمار الحيوي، وجني عائدات، عززت في السنوات الأخيرة تغول ما توصف بالطبقة العليا؛ انحسرت ـ الطبقة الوسطى، وما دون الوسطى، لصالح الطبقة الفقيرة، وتضخمت الأخيرة، لتشكل جميعها طبقة بلغت نسبتها 80 بالمئة من السكان، تعيش جحيم الحرب، وجحيم وضعها المعيشي، في آن معًا.

تعدد جرعات الدعم التي سبق أن حقنت بها إيران وروسيا والدول الحليفة للأسد، شريان الاقتصاد، لم يكن الغرض منه تحسين وضع المواطن السوري، والتخفيف من معاناته “بدليل تفاقم ظاهرة الفقر، وتدهور القوة الشرائية للناس، وتراجع مستويات الحياة إلى حدود ما دون الدنيا، على سلّم العدالة الاجتماعية والرخاء”.

بل كان غرضها الرئيس، بحسب الخبير الاقتصادي “وليد القوتلي”، وضع بيض الدجاج في سلة المؤسسة العسكرية، وأجهزة الأمن والمخابرات، دعمًا لمجهوداتهم في معركة مرهقة، كبدت وتكبد النظام فاتورةً، من المتوقع أن تصل قيمتها المستقبلية، في حال استمرارها، إلى ترليون دولار. ويقول القوتلي لـ (جيرون): طالما أن الحرب متواصلة، فهذا يعني، أن نظام الأسد، ما يزال ينظر إلى الأمر بلا مبالاة، ضاربًا عرض الحائط بآلام المواطنين ومعاناتهم، وبما يكابدونه في توفير حاجاتهم الأساسية، في ظل دخل تتراجع قيمته الشرائية، على الرغم من الزيادات التي طرأت عليه، نظرًا لارتفاع أسعار المواد الغذائية وغير الغذائية، بنسب متفاوتة، لكنها في المتوسط تزيد عن 300 بالمئة، عمومًا.

في موازنة عام 2016، قُدرت الاعتمادات المخصصة للرواتب والأجور والتعويضات بنحو 372.07 مليار ليرة سورية، وهو رقم يزيد عما رُصد للبند ذاته في موازنة 2015 بمقدار56.02 مليار ليرة. وقياسًا إلى سعر صرف الدولار في الوقت الراهن، تقل كتلة الرواتب عن مثيلتها في عام 2015 بأكثر من 500 مليون دولار، ما يعني أن أجور السنة المذكورة تمتعت بقوة شرائية في السوق، أفضل بكثير مما هي عليه كتلة رواتب موازنة 2016. وهذا يؤشر إلى أن البؤس والإحباط، سوف يبقيان علامة فارقة، في حياة أشخاص لا مورد لهم سوى رواتب ضعيفة القيمة، ينتظرون استلامها مطلع كل شهر.

قبل سبعة أشهر تقريبًا، تبلّغ الناس، ثلاثة قرارات عُدّل بموجبها سعر ليتر البنزين ليصبح 225 ليرة، بدلًا من 160 ليرة، وسعر ليتر المازوت 180 ليرة، بدلاً من 135 ليرة، وسعر اسطوانة الغاز المنزلي 2500، بدلًا من 1800 ليرة. واستمرت موجة الغلاء الأخيرة في اندفاعها، حتى تضاعفت أسعار جميع حاجات الأسر، على الرغم مما طرأ عليها سابقًا، وبصورة قد لا يتصورها العقل. فخلال آب/ أغسطس 2016، وصل الرقم القياسي لأسعار المستهلك (مقارنة بسنة الأساس (2010 وفق بيانات المكتب المركزي للإحصاء (هيئة حكومية)، لأهم المواد الأساسية، في مدينة دمشق مثلًا، على النحو الآتي: الخبز والحبوب 747.67 بالمئة، اللحوم 704 بالمئة، اللبن والجبن والبيض 935بالمئة، الزيوت والدهون 806 بالمئة، الفواكه 1027 بالمئة، البقول والخضار635 بالمئة، السكن، والمياه، والكهرباء، والغاز، وأنواع الوقود الاخرى 403.53  بالمئة. ويفسر الخبير الاقتصادي، محمد حاكمي، الرقم القياسي لأسعار المستهلك، على أنه قياس التغير النسبي في المبلغ المدفوع لشراء سلة الاستهلاك من أصناف سلع وخدمات، من شهر إلى شهر ومن سنة إلى سنة، إذ تُقسّم أسعار السلع في العام الحالي على أسعار السنة التي بدأ فيها التضخم، ويساعد الرقم القياسي – مثلما يقول- في تحليل الأداء الاقتصادي، عبر قياس التضخم على مستوى معيشة الأفراد والأسر، وغيرها من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية. موضحًا لـ (جيرون): أن ارتفاع الرقم القياسي لأسعار المستهلك بنسبة 679.63 بالمئة، منذ العام 2010، سنة الأساس ـ بحسب التصريحات الرسمية، إنما يمثل في الواقع معدل التضخم الرسمي في سورية.

ويلقي أحد تجار الجملة في سوق الخضار والفواكه الرئيس لمدينة دمشق، الضوء على جانب من مشكلة تضخم أسعار الخضار والفواكه، بقوله: إنه يدفع 2000 دولار رشوة، لتسهيل مرور شاحنات الفاكهة التي يستوردها من السوق اللبنانية، تضاف إلى فاتورة المستهلك، فضلًا عن تعرض بعض كمياتها للنهب على يد عناصر حواجز النظام الأمنية.

ومن المؤكد، أن سلسلة الفشل الذي مُني به الاقتصاد خلال سنوات الحرب، أثّرت في قطاعات كبيرة، كان نظام الأسد يراهن على أدائها، لدعم قوته العسكرية المتهالكة. كما كانت سببًا في انزلاق البلاد نحو المجاعة، وتردي الحياة بمستوياتها المعيشية والاجتماعية والحضرية.

في ندوة اقتصادية أقامتها جامعة دمشق، أخيرًا، رُبطت أسباب التضخم، بزيادة حجم الإصدار النقدي، لتمويل عجز الموازنة العامة للدولة منذ عام 2011، إذ سحبت وزارة المالية من مصرف سورية المركزي، نحو 3.5 تريليون ليرة (إصدار من دون تغطية) ما ضغط على سعر الصرف، وأسهم في تدنيهن كذلك تراجع حجم الناتج المحلي الإجمالي، من 2791 مليار ليرة، إلى 1116 مليارًا. أي ما نسبته 40 بالمئة، من ناتج عام 2010. هذا إلى جانب توقف التصدير، وزيادة حجم الاستيراد، 2.5 مليار دولار، ما أدى -من ثمّ- إلى انخفاض قيمة العملة. وأقرت محصلة الحوار، أن التضخم أسهم، إلى جانب ذلك، بتضاعف ثروات الطبقة الغنية، بينما تضررت منه الطبقة الفقيرة، لدرجة أنه لا يوجد عامل في الدولة يتعدى راتبه 100 دولار.

وإذا ما صرفنا النظر عن عامل الحرب، وتداعياته على مؤشرات الاقتصاد المتنوعة، فإن ثمة اعتراف آخر، يكشف -في الحقيقة- نمطًا من السياسات المتخبطة التي أنتجتها الحلقة القريبة من الأسد، في إدارة البلد بطريقتها، وقد يكون من قبيل اختزال رداءة المشهد، ما ورد أخيرًا على لسان وزيرة الاقتصاد في حكومة العطري ـ 2011/2003، لمياء عاصي: “من غير المنطقي أن يقود اقتصاد البلد مجموعة من الآراء المتضاربة التي تستند إلى مرجعيات مختلفة، واحد ليبرالي، وآخر اشتراكي، وثالث لا هوية له، غير أهوائه الشخصية ومصالحه. ثم يجري تبادل الاتهامات عند أي مفترق طرق يواجه البلد، مثلما حصل في بداية الأزمة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق