مقالات الرأي

حكاية الاستبداد والطغيان

فِي الْبَدْءِ كَانَت الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَت عِنْدَ اللهِ، وَكَانَت الْكَلِمَةُ اللهَ. والكلمة بقدر ما هي افتتاح لسؤال عن الأفضل، هي أيضًا إجابة ناجزة لترسيخ الأسوأ، فالكلمة سلطة، وما من سلطة إلا واقترنت بكلمة، كلمة تفتح لها مساحات الهيمنة، وتردع ما يحد من تمددها ونفوذها وفحشها، وهكذا اقترن التاريخ الإنساني منذ أن كان بالاستبداد، واختلفت وسائله وأساليبه ودرجاته ودوافعه، ولأن الاستبداد قديم قدم الإنسان، كانت صرخة الحرية -أيضًا- قديمة بالدرجة نفسها، وبين نزوع الإنسان إلى السلطة؛ تمهيدًا للاستبداد، وتحييد السلطة رغبة في الحرية، نشأت أنظمة اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية، كانت في الأعم الأغلب تحاول شرعنة الاستبداد ، وتوظيفه من أجل تحقيق تصور نمطي تقليدي، أو نمطية جديدة في تعبيراتها دون أن تتخلى عن بنيتها، استمرار الاستبداد وتغلغله وتوسعه، لا تقنينه والحد منه أو القضاء عليه، استخدمت مسألة التعسف في استعمال الحق محملًا للرغبات التي تؤوَّل “حقًا” يجب فرضه.. وهذا “الحق” كان يمنح أبعادًا اثنية أو دينية أو أخلاقية، ليكون ملزمًا باسم المجتمع الذي يتبنى عقيدة بذاتها، أو ينتمي إلى أرومة محددة، أو يحتكم إلى ضوابط خاصة، أو ثقافة معينة. شرعنة الاستبداد كانت الهاجس الرئيس للسلطة والساعين إليها على الدوام، بينما وقفت الفلسفات الإنسانية موقفًا مناهضًا لها، من خلال تقنين هذا الاستبداد وتقليمه إلى أبعد حد، والاكتفاء بما يسد حاجة المجتمع إلى الإدارة والعدالة.

أدت تيارات التنوير إلى قيام الدولة الحديثة، لكن هذه الدولة عادت لتنتج الاستبداد، إذ إنها هيأت محملًا إضافيًا عابرًا للاثنية والدين، وكأنها انتقلت من استبداد الفرد بالجماعة، إلى استبداد الجماعة بالفرد، ومن ثَم؛ أنتجت أنظمة مستبدة كانت على الدوام كالجرح الملوث، لا يفرز سوى الصديد، وبات لهذه الأنظمة أدواتها التي تتحايل بها على المكتسبات الفكرية حول الحرية والكرامة والحقوق الإنسانية، واستطاعت أن تبني سلطتها باللعب على التناقضات والصراعات المبيتة والتمايزات التي يغيب عنها الوعي والرؤى، ولكي يستمر الاستبداد، لا بد له من أُطُر (كادرات) ملائمة، تؤهّل من خلال إفسادها واستعبادها، أي: خلق بنى نفسية مريضة، تقوم بفرض هذه السلطة على الناس بالعنف أو تحت طائلة ممارسته.

مسألة القيمة التي يتغنى بها المستبدون كانت على الدوام لعبة مفضوحة، يسير في ركابها الجشعون والمغفلون، إذ لا يمكن للاستبداد أن يستند إلى قيمة إنسانية حقيقية، ونظرية المستبد المنير زعم كاذب فحسب، إذ لا يمكن الحط من شأن الإنسان، وادعاء التحضر والتنوير في الوقت نفسه، وأي قضية أو مبدأ، مهما بلغ من السمو، يبقى منحطًا، إذا كان يدعو إلى قبول ظلم، أو ارتكاب مظلمة، فالاستبداد آفة ووباء، يجب القضاء عليه واستئصال شأفته كليًا؛ ليكون تحقيق أي قيمة ممكنًا، فالمستبد لا حلول تجدي معه؛ إذ لا يسعه أن يفهم خطابًا اخلاقيًا، وهو أشد الناس انحطاطًا، ولا يسعه أن يحتكم إلى قانون راسخ لا استثناءات فيه؛ لأن في القانون حد من همجيته، ولا يسعه أن يمتلك ضميرًا؛ لأن الضمير لا يتشكل في الأرواح الخبيثة، فهو لا يملك أي وازع ينهاه عن الظلم والأذى، ومن يخلو من الوازع.. ويتلذذ بالهيمنة والتعذيب، مسخ لا يمكن علاجه..

جلاوزة الطاغية الذين يقومون بتعذيب المواطنين وترهيبهم.. يتحولون إلى مسوخ، يحاولون تحطيم نفوس الناس، لكنهم في كل مرة ينحطون نفسيًا أكثر، فالجلاد القائم بالتعذيب يتشوه نفسيًا أكثر من الضحية، والوثائق الاستعمارية حول “جنود التعذيب”، قديمًا وحديثًا، فيها شواهد كثيرة مرعبة.

تختلف الآراء حول أيهما أكثر سوءًا، الاستبداد العرقي أم الديني، استبداد الأرومة أم استبداد الثقافة، وكلاهما في السوء سواء. زعمت الأنظمة الاستبدادية الانتساب إلى السماء حينًا، وزعمت محاربتها سطحية الصلة بالسماء حينًا آخر، لكنها -على اختلافها- كانت استبدادًا مقدسًا لا يجوز حتى مجرد الاعتراض عليه، أو على القائمين به. فادعاء الطغاة للدين كان يوفر لهم قطاعات كبيرة، تحلم بعودة ماض منتقى ومُجمَّل. وادعاؤهم للعلمانية، كان لإزاحة ما يحد من سلطتهم في إطار الأفكار الدينية، مع أن العلمانية أصلًا قد نشأت من أجل مواجهة الطغيان في كل أشكاله؛ بمقدسهِ ومدنّسهِ، وزعمت هذه الأنظمة -أيضًا- استبسالها من أجل أرومة ما، للمحافظة عليها وحماية المنحدرين منها، إلا أنها على الدوام كانت تستبد بهم وتشوه هذه الأرومة.

ثمة تشابه بين الطغاة عبر التاريخ، ولب هذا التشابه يكمن في إحساسهم أنهم محور العالم ومركزه، هذه الفكرة الفاسدة لا تتيح مجالًا لأي إشباع سلطوي أن يوقف نهم الطاغية عند حد معين، مهما استبد الطاغية، يجد أن بإمكانه أن يفعل مزيدًا، وأن يكون أقرب إلى التحكم بأقدار الجماعات والأفراد، ولأنه يعتمد قوة السلطة لا قوة الإقناع، يرغب فيمن يواجهه حربًا وعنفًا، ويجده داعمًا لمنطقه في الصراع، ولا يرغب -البتة- فيمن يواجهه سلمًا أو فكرًا، فالطاغية أمام محارب يدرك أنه أمام جهة معينة، يحتاج إلى بسط قوته ليفوز، وليكون أمام فكرة المنتصر الخالد، ولكنه أمام منطق الفكرة يكون أمام تاريخ إنساني شاسع جغرافيًا وواسع زمنيًا، يكون أمام فكرة موته، يذكره من يناهضه سلمًا بموته، أكثر ممن يناهضه حربًا، حالة السلم تحرجه، تدعوه إلى احتساب الزمن الباقي له، أما حالة الحرب، فترضيه، وتدعوه إلى الاستغراق في الزمن الذي استطاع البقاء فيه.

أكثر الناس سخفًا وتفاهة لدى المستبد هم الذين يخضعون له طواعية، لا يمكن له أن يشعر بأي قيمة لهم، فهم ملك له، عبيدًا وأسرى وأتباعًا، لا يرون إلا ما يرى، ولا يستحقون تجشم الإقناع عمليًا أو نظريًا، وهو إن احتفى بتمجيدهم له، إنما يحتفي بكثرة الخاضعين له، لا بصدق مشاعرهم، وهو لا يثق بهم، وقد باعوا أنفسهم له، وباعوا كل ما يجعل الإنسان يثق بالإنسان، هم أداته في أذية الآخرين، لا في حماية شخصه وخصوصياته.

علاقة الطاغية بالتاريخ ملتبسة، فهو يدرك -من جهة- أنه لن يستطيع أن يضبط التاريخ، وإن استطاع تأجير وإخضاع المؤرخ، ولأنه مصر على أن يبقى فوق الجميع في راهنه وحياته، يحاول تحدي الموت من خلال الهيمنة؛ حتى بعد الموت، على ما كان مهيمنًا عليه أو أكثر، من خلال خلف مرتبط به بيولوجيًا أو أيديولوجيًا، ولا يغيب عن بال الطاغية، بإحساسه الغريزي، أن البشر يمجدون القوة المنتصرة، ويرون في التاريخ سيرة للأيام والمعارك الفاصلة والحاسمة، وسير المنتصرين والمهزومين، لذلك؛ يسعى إلى تحقيق انتصارات حربية، إن لم يكن ضد الأعداء، فضد الشعب، وإن لم يتحقق ذلك فعليًا، سعى إلى اختراعه، يخترع قصص الانتصار؛ لتكون رصيدًا له في أثناء التاريخ، لكنه لا يدرك أن التاريخ لم يكن، ولن يكون، نتاج الافتراءات والاختراعات والأكاذيب التي يملؤها مؤرخ البلاط، فالنصوص لم تعد الفيصل الذي يروج فكرة أو يجذرها، إنما هناك تاريخ مواز، هم من المدوّن، وهو تاريخ يعتمد الأدلة خارج المدونات التاريخية. يعتمد اللقيات والوثائق والدلالات المعيشية والحياتية، وحالات المثاقفة والأوضاع الاقتصادية والأنساق الثقافية والملامح الفلكلورية، لذلك؛ يحاول الطاغية أن يتجذر فيها، وأن تدور جميعها حوله، وأن ترتبط به، وأن ينتزع الناس مما اعتادوه من أنماط ثقافية وقيمية، ليكون هو مركز ومحور هذه الأنماط.

وإن كان التاريخ يوسع مجال البطولة؛ ليشمل آخرين، قد تكون مكانتهم أقل، فإن الطاغية لا يرضى بذلك، بل يحرص كل الحرص على أن تنسب البطولة كلها إليه، لذلك؛ كانت مشكلته مع المثقف المتمرد غير قابلة للحل؛ لأن الطاغية يستطيع أن يزعم البطولة والشجاعة والكرم وكل شيء، لكنه لن يصمد في ادعائه للثقافة أمام أبسط مثقف صادق، لا يمكن للطاغية ان يشعر بالراحة، وثمة مثقف يسلط الضوء عليه، لذلك؛ تجده إما أن يتمكن من جعل المثقف دائرًا في فلكه، ومن ثَمّ؛ متخليًا عن دوره الثقافي، وإما أن يستأصله بكل الوسائل، فإن كان قريبًا، أسَره، وإن كان بعيدًا، لاحقه، وحاول محوه.

والمعركة بين المستبد والمثقف؛ حتى وإن بدت محسومة في راهنها لصالح المستبد، فإنها على المدى التاريخي والثقافي تكون لصالح المثقف الحقيقي، المثقف العضوي الذي يناهض سلطة القوة بسلطة المعرفة. أما الكلمة المدججة بالسلاح، أو السلاح الملفع بغلالة الكلمة، فكلاهما في الفحش سواء.

مقالات ذات صلة

إغلاق