مقالات الرأي

العقل وإشكالية الواقع

ما الذي دار بخلد أدونيس، وهو يشاهد مظاهرات درعا وحمص واللاذقية ودمشق؛ كي يرجم تلك الحشود بالأصولية؛ لأنها لم تجد سوى بيوت الله؛ لتتجمع فيها وتجمع قوتها؟

ومثله مناضل أمضى عقدين من السجون؛ ليحسم أمره بالوقوف إلى جانب جلاده الطاغية…، وغيره استبطن ذلك فعرج!!

بل ما يثير ويلفت النظر، هو هذا التجرد إلى درجة الانحلال، وأن النخب والسياسيين الثوريين الذين لا يأتيهم الباطل، اخذوا يصدحون بنظافتهم من العروبة والماركسية والقومية، بوصفها مفهومات وثقافة سقطت، ولكنهم كانوا عراة؛ إذ لم يرتدوا شيئًا يقيهم عواصف هذا الانفجار!

اليوم وعلى أبواب العام السابع، والثورة السورية مازالت تعاني مرارة واقع مظلم دامٍ، يدفع به الشعب السوري دمه وعيشه، قتلًا وتدميرًا وتهجيرًا، بين نظام مجرم، وقوى ظلامية تكفيرية تمارس الإرهاب وتروج لهرطقة وسلفية مغرقة.

يبرز السؤال صافعًا وموجعًا في الوقت نفسه، إلى أين، وأعتقد أن كثيرين ناقشوا محورًا بهذا المعنى، لماذا لم تنتصر الثورة بعد ست سنوات.

على الرغم من أهمية السؤال وإلحاحه، إلا أن مجمل الأجوبة التي تطرح اليوم، ومحاولات الأجوبة، ما زالت تتمحور حول عناوين عامة، وأجوبة مبتسرة، ولم تتعرض لواقع السنوات العجاف التي حلت عليه، وماذا فعل قحط الاستبداد وابتسار الأفكار، بعقل النخبة والقوى، وكيف عشعش عجز مزمن لهذه النخبة التي لم تعترف بهزيمتها وهزيمة بنية عقلها، إذ دجنت ثقافتها لتطبعها بواقع هذه الهزيمة.

الهزيمة

المقصود بالهزيمة، هنا، هزيمة مجمل المسائل المطروحة؛ كي يتطور المجتمع باتجاه الحداثة وإنجاز كثير من القضايا التي تضعه في مصاف الدولة الحديثة، بمعنى الاقتصاد، والبنى الاجتماعية، والسيادة والاستقلال، بمعنى السياسة.

وهكذا؛ فان مجمل الأفكار والثقافة التي عالجت هذه المسائل لم تنجزها فحسب، بل تحولت إلى ذريعة وأداة لقمع المجتمع، فلم ينجز اقتصاد صناعي مستقل، ينعكس رفاهية على المجتمع، بل ازداد فقرًا وتهميشًا وفسادًا، ولم يُحدث تطورًا في وضع المرأة، بل تراجع دورها وتردت حريتها، كذلك انحسرت الثقافة والترجمات التي تدفع للاطلاع على تجارب التحرر والحريات، ليتردى المجتمع في الأصولية الدينية، والتمحور على سكن التاريخ، وقصره على أفكار الخلافة، والإمامة والشورى والعقد الشرعي، وحاكمية النص.

قد يقول قائل إن القوى السورية، قاومت الاستبداد وواجهت الطاغية، ودخلت المعتقلات. وهذا صحيح، إلا ان مجمل هذه القوى كانت تستعمل الأفكار والثقافة السائدة نفسها، وهي الثقافة نفسها التي تتلمذ عليها الاستبداد، هذه الثقافة والأفكار هُزمت، وهَزمت (بفتح الهاء). ولم يقدر للنخب السورية نقد خطابها وتجربتها، وقراءة واقعها، ووضع مهمات تحررها؛ بغض النظر عن “همروجة” سنوات إعلان دمشق، وما سبقها من أفكار مجتمع مدني وإنجاز الديمقراطية.

المجتمع

هل يكفي أن نقول إن هناك هزيمة وأفكارًا وثقافة سقطت، ونتكئ على هذا وحده، أم أن الاستبداد فتك بالمجتمع، ولم يكتف بتفكيكه، وغرس كل أمراض التخلف فيه، إذ حقن وأسس لحقن طائفي، ما إن ينفجر حتى يتفشى وينتشر، والأكثر خطورة هو التفتيت البنيوي في عامة المجتمع، وعندما نقول عامة المجتمع، فإننا نقصد -بالتحديد- تلك النسبة التي ترى نفسها تناضل من أجل دولة، حيث قوى كثيرة تحتضن أفكار التقية والفرقة الناجية التي تستبطن التاريخ، وتريد إعادته، وتشعر بمظلومية تاريخية لم يستطع مجتمع الهزيمة تخليصها من مظلوميتها بمواجهتها ومناقشة غبنها، ووضع حد لهرطقتها، هذه القوى، أو الشريحة، لم تكن بهذا العدد والكثرة.

لهذا فإن المجتمع المفوت والمخرب، وتفجّرَ حريةً وكرامة، كان الأوسع والأكثر، ولكنه لم يجد من يحصنه ويؤطره ويضعه أمام مهماته وأحلامه لينجزها، مجتمع يمتلك أسباب نهوضه وثورته، لكنه دون رأس ومحرك ينقله لتحرره وكرامته، مثلما هتف وصرخ.

سقوط الأيديولوجيا

الأيديولوجيا هي مجموعة من القيم والأفكار والمبادئ المتماسكة ظاهريًا، وتشكل معتقدًا سلوكيًا للخلاص والوصول، وهنا، الخلاص والوصول يعنيان تحقيق الخير والحرية والسعادة.

وبهذا؛ فإن كثيرًا من المجتمعات اخترعت أيديولوجيا خلاصها؛ كي تتخلص وتصل، من النيرفانا والكونفوشية، إلى الدين، ومن ثم القومية، والماركسية، وأفكار ومعتقدات كثيرة.

قد يكون مفهوم الأيديولوجيا من المفهومات المعقدة، وحيث أن سقوطها تحرر، إلا أن الوقائع تشير، وتحديدًا بتلك الدول التي لم تنجز نهوضها وبناء أسس تعايشها، وضعتها في حالة من التفكك والتذرر، بمواجهة طريق خلاصها، كأننا أمام حتمية تقول، عليك بصنع دينك كي تصل لتحررك، وهنا نرى مفارقة جلية في أن المجتمعات المفوَّتة التي مازالت تعاني غبن الواقع وظلمه وفساده، هي المجتمعات التي تفتقر لأيديولوجيا خلاصها، وحيث الأيديولوجيا شيء منتج مصنع، كما السلع والمواد، ينطبق عليها القدم والصلاحية والتلف، إلا أن إسقاطها دون حصانة وحاضنة، يعطي تفككًا وتذررًا، بمعنى أن أي لقاح للتحرر من الأيديولوجيا بحاجة إلى جسد محصن وقائم على أسس  قادرة على تحمل جدل التفكك والاندثار.

فإن سقوط جدار برلين، وتذرر وسقوط الاتحاد السوفياتي، هذا الفيل المشلول، والمليء بالأمراض، وبغياب مشروع يسعى لإنجاز حرية وكرامة الإنسان، سقط في إثره إنسان فقدَ كثيرًا من عوامل خلاصه، لهذا انتشرت هذه الفوضى الدامية التي مازالت تتفشى قتلًا وتدميرًا وتسليعًا للإنسان على المستوى العالمي.

تحرك المجتمع العربي الذي صنع الربيع العربي، كذلك المجتمع السوري، وهو يفتقر إلى دين تحرره، بمعنى العقل المفكر الذي يصنع جسدًا متماسكًا، والمؤمن بأن خلاصه سيكون باعتناق ثقافة المستقبل المحصنة بمبشريها ورسلها القادرين على قراءة واقعهم، وما يحيط بهم، والتضحية من أجل حرية وكرامة الإنسان.

وعليه فإن هذه الثورات المتعثرة لم تجد من يمارس فعل التبشير والتضحية، سوى أيديولوجيا مفوّتة عاجزة مهرطقة، غير قادرة على رسم مستقبل قابل للخلاص والتحرر والبناء. والمقصود -هنا- الإسلامويون، مع تفكك وتذرر المجتمع. مجتمع محقون بكثير من عوامل سقوطه وتعثره، إذ إن الأفكار الجديدة لم تشكل دينها ورسلها وفدائيي نشرها.

كثير من البرامج، قليل من الإيمان

اليوم والسوريون يعانون هذا الإعصار الذي يحاصرهم قتلًا وتدميرًا وتهجيرًا، إذ تتصارع على أرضهم كثير من الإرادات، دولية وإقليمية؛ لترسم مستقبل وطنهم ودوره على الخريطة الجغرافية، تتفجر كثير من الأسئلة، ويتنطح كثير من الطيبين والخيرين للإجابة عن واقعهم ومستقبلهم، وتكثر الأجوبة المبتسرة والمشروعة في حالة هذا الفراغ القاتل.

ولأن مشروعية السؤال لا تعطي أحقية التباهي بالجواب، ما لم يتحصن هذا الجواب بقراءة الأزمة، بعقل جديد، ولغة جديدة، والأهم هو هذا السلوك الإيماني الجديد، سلوك يحدد أن المبشرين الجدد عليهم اكتشاف خبزهم من أرضهم، وعلاج أمراضهم من أعشابهم، وبهذا فإن التصدي لهذا الواقع، عليه أن يبحث في أرضه عن وسائط تصديه، فحصها وتنقيتها وتنظيمها ودفعها إلى زراعة جديدة، قابلة للنمو والعطاء.

مقالات ذات صلة

إغلاق