هموم ثقافية

المسرح سيد الديموقراطية

يظن بعضهم إن المخرج المسرحي هو السيد والدكتاتور المُطاع الذي يأتمر الجميع بأمره. وهذا غير صحيح أبدًا، وغير مجدٍ -على أي حال- في أي فن جماعي. من يعتمد هذا الأسلوب المتخلف البائد، لا يمكن أن يقدم عرضًا مميزًا. لا بد -طبعًا- من وجود قائد لأي عمل جماعي. كان القائد في المسرح الإغريقي هو الكاتب أو “الشاعر”، أصبح في عصر النهضة والتنوير، “البطل” أو الممثل الأول الأكثر موهبة. فن الإخراج -كمهنة مستقلة- لم يبرز إلا في العصر الحديث؛ عصر التخصص والمهنية والتكنلوجيا. لكن المخرج في المسرح، وفي كل زمان ومكان، لا يستطيع أن يفرض رأيًا تافهًا أو نافلًا، فهو يقود فريقًا إبداعيًا وليس قطيعًا أو بيادق تدافع عن الملك. وهو يقود عملًا فكريًا وليس معركة عسكرية (نفذ ثم اعترض). وفريقه ليس مجموعة من الجنود الأغرار أو الأتباع المطيعين أو التلاميذ الصغار، بل مجموعة من المواهب الذكية المتخصّصة. وهو -لذلك- ملزم بتبرير قراراته وحلوله الإخراجية وإقناع مجموعته الفنية، قبل إقناع المشاهدين. وهو لا يستطيع أن يعمل وفق مبدأ الانضباط العسكري، أو الفوضى الخلاقة: (عسكري دبّر رأسك). قد يحدث هذا في فترات انحطاط المسرح، أو تحويله عن وظيفته المعرفية والجمالية، إلى وظيفة أخرى تجارية أو استعراضية، أو عقائدية دعوية. المبدع لا يستطيع أن ينفذ قبل أن يعترض، إنه طاقة أو كيان إبداعي مستقل، وُجد كي يعترض ويخلق شيئًا متميزًا، فهو لا يتقن تنفيذ الأوامر إلاّ إذا اقتنع بها وتبناها، والمسرح عمل تراكمي تراكبي، ومجموعة من القيم المضافة واحدة إلى الأخرى: قيمة النص تضاف إلى قيمة الإخراج وقيمة التمثيل والديكور والضوء والصوت… وأنت لا تستطيع أن تفصل هذه القيم المركبة عن بعضها بسهولة، أو أن تميز فن المخرج عن فن الممثل أو مصمم الإضاءة، أي أن تحدد أين يبدأ عمل كل منهم، وأين ينتهي، خلال العرض. لذلك؛ يجب على المخرج الجدير بالمسرح أن يكون متمكنًا وقادرًا على إقناع مجموعته عبر الحوار. ولذلك؛ يُعدُّ الحوار واحدًا من أهم أركان المسرح وفن الإخراج. ومن الأفضل، لمخرج لا يتقن الحوار، أن يبحث عن مهنة أخرى، لا حوار فيها، وما أظن أنه سيجد مثل هذه المهنة على وجه الأرض.

لذلك كُتبت دراسات كثيرة حول علاقة المخرج بالممثل، وبقية عناصر العرض، وكيف يستطيع الترويض والاستفادة من هذه الطاقات الإبداعية “العضوية”، المستقلة والمتحدة، المميزة والمتمردة بطبيعتها، وتوظيفها توظيفًا صحيحًا لتشكل -في النهاية- إيقاعًا موحدًا، وقيمة فنية منسجمة ومتكاملة، في بوتقة العرض المسرحي المُحكمة.

إن تجربتي المتواضعة في المسرح أثبتت لي أن الفنان المطيع هو أسوأ أنواع الفنانين. وإذا كان لا بد من سيد، فالسيد الحقيقي في الإبداع، هو الإبداع نفسه، والدكتاتور الوحيد المحترم من الجميع، في هذا الفن الجماعي، وفي الفنون كلها، هو الجميل والمدهش والمقنع فنيًا وفكريًا. فلا أحد يستطيع إلزام المبدع الحقيقي بقبول هذا المشروع أو ذاك، أو تبنّي هذه الحلول الإخراجية أو تلك، إلاّ الحوار والاتفاق والتوافق، أي العلاقات الديمقراطية. والأمر ليس خيارًا فرديًا، وإنما شرط موضوعي لازم من شروط العمل المسرحي. فإذا تخلى المخرج عن الطاقة الإبداعية الحرة للعناصر الفاعلة في عرضه، وفرض رؤيته عليها، تحول المبدعون إلى منفذين متشابهين فحسب، وُحكم على العرض بالفشل؛ لأن التنفيذ الميكانيكي السطحي الرتيب، سيقود حتمًا إلى الكذب، وتفكك الوحدة الداخلية للعرض.

لذلك؛ تُعدّ الخشبة مكانًا خلّاقًا لتبادل الآراء والاختلاف، وربما الصدام. لكن لا مكان فيها للإكراه. وما التدريبات المسرحية “البروفات” المضنية التي يجريها فريق العمل، عبر مسيرته “من الورق إلى الخشبة”، إلاّ مجموعة كبيرة من المناقشات العميقة، وصراع الرؤى والإرادات الإبداعية التي تقود إلى نبش أفضل ما فينا، وتقديم أفضل الحلول وأجملها، والهدف في النهاية إلى التناغم وضبط الإيقاع، والانسجام التام الحر الذي يؤدي -أخيرًا- إلى الصدق الفني والوحدة بين جميع عناصر العرض، دون استثناء. وهذا شرط جوهري في الفن المسرحي، لا يمكن تحقيقه إلا على أرضية حرية التعبير وضبط علاقة الجزء بالكل، أو الفرد بالموضوع. لذلك؛ كنت أرى دائمًا أنه يجب علينا أن نعمق ثقافة الحوار، ونحقق حرية الإبداع “الداخلية” في المطبخ، وبين عناصر العرض المسرحي أولًا، قبل أن نطالب الرقيب أو السلطة الأمنية عمومًا، بالحرية السياسية “الخارجية”.

ولا بد -هنا- من الإصرار على أن العلاقة بين المسرح والجمهور يجب أن تُبنى –أيضًا- على أسس الحوار والاحترام المتبادل. فلا يجوز للمسرح أن يكون متعاليًا على الجمهور، أو أن يعطي لنفسه الحق في أن يكون داعية أو مطوعًا أو مرشدًا أو ناصحًا، أو حتى أستاذًا مختصًا بتعليم تلاميذه معاني الوطنية والحب والحرية والواجب. فالمسرح ليس مؤسسة للتربية والتعلم وليس مديرية للإرشاد الزراعي أو الوطني أو القومي أو الاجتماعي أو التربية الحزبية أو العسكرية. إنه يشي ولا يأمر، ويعرض ولا يقرر، ويخيل ولا يصور، ويطرح رأيه طرحًا جميلًا بلا انحياز، أو ادعاء بأنه وحده من يملك الحقيقة ويدافع عنها.

مقالات ذات صلة

إغلاق