أدب وفنون

لكم حربكم وليَ حربي سفيتلانا ألكسييفيتش

حرب حرب حرب، طريق بلا أحذية، أحذية بلا أرجل، أرجل ملوية علامات استفهام في الأفق، أفق بلا منفذ، المنفذ نفق تحفره العين في الدخان، الدخان ليس غيمًا، الغيم لا يحبل، رحم هو احمرارُ عين مفتوحة على الليل، الليل موسيقا الجنازير، الجنازير لا تراعي مشاعر العشب، العشب أسود، الأسود دم قديم يابس، الدم يدرك معناه، المعنى تمثله خوذة، الخوذة ليست مزهرية، المزهرية شظية في الصدر، الصدر بلا وردة، الوردة تشقُّ الأرض، الأرض مكسوحة، الألغام تستحم في الفجر، الفجر جنين ميت، الموت ينشّف الندى، الندى يجمع الجثث، الجثث تنبت لها أعضاء، الأعضاء تنتظر اللاوقت، الوقت عروق متخشّبة، الخشب يبكي ماضيه، الماضي يتبأرُ في لحظة، اللحظة عين مغمضة وعين في تصالب الشعيرة، الشعيرة تضخّم الأحزان والأجساد، الجسد يفقد ماءه، الماء بلا جذور، الجذور أرجلٌ مقطوعة، الأرجلُ تنبتُ في التراب، التراب فقد حنان الأحذية، الأحذية تعشق الطريق، الطريق حرب حرب حرب.

 

لن أكتب عن الحرب

وأنت تقلب الصفحة الأخيرة من الكتاب، لن تنجو. لن تكون أنت أنت ما قبل القراءة، كما لن يكون أحد هو نفسه ما بعد الحرب. قد تصرخ صامتًا، قد تلعن أو تكفر بكل ما هو أرضيّ إنسانيّ وتغمض عينيك في ارتعاش ساكن، قد ترغب في تمزيق جلدك، قد تبحث عن نفق بلا ضوء في احمرار يلف الوقت مثل خجلٍ قديم عام، لن تمر اللحظة من دون أن تبكي أو تبتلع دموعك في تعالٍ مغشوش، لن تمر اللحظة دون عبور الطغاة في ساحة إغماضك الحاد، كل الطغاة، صنّاع الحرب، المحتفلين بالنصر، والمهزومين بالنصر -أيضًا- لن تمر اللحظة دون حضور النساء كلهن، الفتيات، الرجال، الأطفال كلهم، الأطفال الذين عاشوا الحرب وعاشوا موتهم في الحرب، وماتوا في الحرب. لن تمر اللحظة من دون أن تشرع في حوارٍ ميدانيّ افتراضيّ مع سفيتلانا ألكسييفيتش:

  • كتبتِ عن حيوات كثيرة جدًا، حيوات تحطّمتْ، صرختْ، جاعتْ، نزفتْ، وبقيت على قيد الموت، حيوات في شكلها البدئي، في بؤسها العام، في موتها الراكض مفتوح العين، في تدفقها الغريزيّ، في صراخها الوحشيّ، في بكائها المر، حيوات نساء يعرفن الموت من وجهه، يتنشقن رائحته، حيوات نساء تذوقن بألوان الحرب، نساء فتحن أدراج ذاكرتهن المجهَدة بتدفقٍ حار وبوح مكسور؟
  • لم أكتب. الحيوات كتبتْ نفسها، كنبع باحث يشق الصخر لينبثق، ليصل، وكان لابد أن يصل، حيوات وجدت نفسها فيَّ.
  • لماذا. النساء في الحرب. أليست الحرب فعل ذكوريّ؟
  • نساء! لم يكنَّ نساء. كن فتيات تراوحت أعمارهن بين 16 -18.” لقد كبرن في الحرب. وكل ما نعرفه عن الحرب نعرفه من خلال صوت الرجل. أريد كتابة تاريخ هذه الحرب: حرب النساء”.
  • في الحرب الرجل مأخوذ بالبطولة. والمرأة؟
  • “الذاكرة النسائية عن الحرب هي قوة الضوء الأقوى من حيث توتر المشاعر ومن حيث الألم. حرب النساء ذات رائحة ولون”
  • ما لونها؟
  • “سأقول لك: إنه لون الأرض الأسود، الأصفر والقرميديّ”. الأحمر فقد سحره.
  • ما رائحتها؟
  • رائحة العقم. “رائحة الدم، رائحة اليود والكلوروفورم”. رائحة سوداء.
  • ماذا هناك وراء الكلمات؟
  • “معرفة الروح، آثار الحياة الروحية، تاريخ الإنسان العادي الصغير… ليس تاريخ الحرب، بل تاريخ العواطف والمشاعر. أنا مؤرخة النفس والروح”. تاريخ المهزومين بالحرب، اما أغاني النصر سوف تبثها الإذاعة في وقت لاحق، في الخطب والمنصات المزركشة، أما من قُتل أو عُطب، من تشظت روحه، فذلك تاريخ غير مكتوب وغير محتفىً به.
  • لماذا تصرين على كشف عرينا؟ عجزنا وذلك الوحش الرابض فينا؟
  • “أحاول أن أفهم بما يختلف الموت عن القتل. ما هو الحد بين الإنسانيّ واللاإنسانيّ”
  • ما الموت؟
  • “سرّ الحياة الرئيس”
  • ما السعادة؟
  • “أن أعثر بين القتلى على إنسان حي”
  • والحب؟
  • “هو الحدث الشخصي الوحيد للإنسان في الحرب، وكل ما عداه أحداث مشتركة حتى الموت”
  • والجمال؟
  • له حضورٌ يوازي حضور الموت. “كانت ترقد في تابوتها.. جميلةٌ كالعروس”
  • والحرب؟
  • “جريمة قتل”
  • ألستِ ابنة حرب؟ ألسنا أبناء حرب؟
  • كل حرب تعدّل جينات من تمر بهم. تصبغهم بصبغيات شاذة.
  • لقد جعلتِني أصرخ: أكره الحرب، أكره الحرب، أكره الحرب
  • هذا ما أردتُ. ولن أكتب عن الحرب إلا بوصفها جرحًا قاطعًا في عين الشمس وعجزًا إنسانيًا عامًا.

أصوات أصوات أصوات

آلاف من الصفحات والرسائل، مئات الكيلومترات من أشرطة التسجيل، سافرتْ، أصغتْ، قرأتْ وكتبتْ. هذا ما فعلته الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا ألكسييفيتش الحائزة على جائزة نوبل للآداب 2015، وكتبت روايتها التوثيقية “ليس للحرب وجه أنثوي”. معيدة إلى ساحة الرؤية المعاناة والألم في حياة آلاف النساء والفتيات، اللواتي خضن الحرب العالمية الثانية، أو حرب التحرير الوطنية بالمسمى الروسيّ، وجمعت نصوصًا صوتية وشهادات محفورة عميقًا في وجدان من مرت عليهن الحرب “نصوص مكومة من حولي، جمعتها من شقق المدن، أكواخ القرى، من الشارع، من القطار، أصغي إلى هذه النصوص، أتحول إلى أذن ضخمة متوجهة دومًا إلى إنسان آخر أقرأُ صوته”.

هذا الإنسان هو امرأة، جندي مشاة، مقاتلة، ممرضة، عنصر إخلاء، سائقة، عاملة، سائقة تراكتور، جندي استطلاع، قائد طائرة، طبيبة، قابلة، مظلية، قناصة…. وغيرها من الاختصاصات الحربية التي وجدت الفتيات أنفسهن فيها عندما بدأت الحرب. ليأخذ الكتاب شكل الرواية التعددية التي تطرح في كل صفحة قصة ليست متخيلة بقدر ما هي واقعية بشكل حاد وصادم. إنها الكتابة بشكلها المحايث وغير الموازي بل المتقاطع -دائمًا- مع واقع يصوغ الكلمات “بتداخل دقيق بين أصوات البشر، ويعمق الفهم لعصر كامل”.

ومع كل مرويّة، ينبثق سؤال، يتكور وعي، ويندلق ألم. رتبت الكاتبة مروياتها في عدة مستويات شكلية، دون التدخل في المتن المرويّ: قبل الحرب، الالتحاق بالجبهة، العمل في الخطوط الأمامية، العمل في الخطوط الخلفية، العمل السري في فصائل المقاومة، التحرير، النصر، ما بعد الحرب، معسكرات الاعتقال الستالينية، “كتائب تأديبية، محاكم عسكرية، مواطنون يقتلون مواطنين، وأمر ستالين يرن كناقوس ضخم في كنيسة مهجورة: لا خطوة واحدة إلى الوراء… وليس لدينا أسرى، لدينا خونة”. المكافآت، الحياة بعد الحرب “قتلاي يزورونني في الحلم”، الرغبات، اللوعات، الغيابات، القبور الجماعية، الانتظارات والانتظارات البعيدة. “إهانات ما بعد الحرب وافتراءاتها”. كره الحرب، فهذه فتاة كتبت على جدار الراسيتاخ في برلين: “جئت إلى هنا كي أقتل الحرب”

ورتبتها -أيضًا- بحسب طبيعة الأعمال المؤداة في الحرب، مظهرة عمق الألم الذي تعرضن له، من دون أن تفسد توترنا؛ بل لتزيده بالمرويات الشفّافة الصريحة بعيدة الغور في الوجدان الإنساني.

هذه المرويات جُمعت من ذكريات الحرب “مرعب جدًا أن تنذكر، لكن الأشد رعبًا ألا نتذكر”، من الذكريات الأشد إيلامًا، المصاغة من الكلام الممنوع المخزَّن، من الصمت الثقيل والألم الباقي “كل يوم أنظر من النافذة إلى البحر، أرزح بكاملي تحت الألم، ليس لدي حتى الآن وجه أنثوي، أبكي غالبًا وأنيني يرافقني كل يوم، أعيش ذكرياتي”.

كل صفحة تحرض الكراهية، كراهية الحرب، التي هي قبر جماعي حيث “كل شيء أسود… باستثناء العظام كانت بيضاء”. الحرب التي ليس لها وجه، وإن كان لابد أن يكون لها وجهًا فهو وجه “مفرمة لحم”.

 

الكتاب: ليس للحرب وجه أنثوي

الكاتب: سفيتلانا ألكسييفيتش

المترجم: د. نزار عيون السود

الناشر: دار ممدوح عدوان-2016

مقالات ذات صلة

إغلاق